ابن تيمية

27

مجموعة الرسائل والمسائل

إلى أن قلت : وهو الآن على ما عليه كان فهذا الذي علم أنه يصدر عنه وكان مشهوداً له معدوماً في نفسه هو الحق أو غيره ؟ فإن كان الحق ؟ فقد لزم أن يكون الرب كان معدوماً وأن يكون صادراً عن نفسه ، ثم أنه تناقض . وإن كان غيره ، فقد جعلت ذلك الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق ، وهو الرحمن ، فيكون الخلق هو الرحمن ، فأنت حائر بين أن تجعله قد علم معدوماً صدر عنه ، فيكون له غير وليس هو الرحمن ، وبين أن تجعل هذا الظاهر الواصف هو إياه وهو الرحمن ، فلا يكون معدوماً ولا صادراً عنه ، وإما أن تصف الشيء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص العبد المخلوق تارة ، فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر ، وهو نظير قول النصارى اللاهوت الناسوت . لكن هذا أكفر من وجوه متعددة . فصل الوجه الأول : أن هذه الحقائق الكونية التي ذكرت أنها كانت معدومة في نفسها مشهودة أعيانها في علمه في تجليه المطلق الذي كان فيه متحداً بنفسه بوحدته الذاتية ، هل خلقها وبراها وجعلها موجودة بعد عدمها أم لم تزل معدومة ؟ فإن كانت لم تزل معدومة فيجب أن لا يكون شيء من الكونيات موجوداً ، وهذا مكابر للحس والعقل والشرع ، ولا يقوله عاقل ، ولم يقله عاقل . وإن كانت صادرة موجودة بعد عدمها امتنع أن تكون هي إياه ، لأن الله لم يكن معدوماً فيوجد . وهذا يبطل الاتحاد ، ووجب حينئذ أن يكون ( 1 ) به موجوداً ليس هو الله ، بل هو خلقه ومماليكه وعبيده . وهذا يبطل قولك ! وهو الآن لا شيء معه على ما عليه كان . الثاني أن قولك تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه ( 2 ) ، أو قولك : ظهر

--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعله : أن يكون ما صار به المعدوم موجوداً إلخ ( 2 ) كذا في الأصل