ابن تيمية

24

مجموعة الرسائل والمسائل

فصل واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه ، ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة قوله : أن الوجود واحد ورد ذلك ، وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين . وإنما حدثت هذه المقالات بحدوث دولة التتار ، وإنما كان الكفر الحلول العام أو الاتحاد أو الحلول الخاص . وذلك أن القسمة رباعية لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة ، فأما أن يقول بحلوله فيه أو اتحاده به ، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصاً ببعض الخلق كالمسيح أو يجعله عاماً لجميع الخلق . فهذه أربعة أقسام : الأول : هو الحلول الخاص وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول : أن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء ، وهؤلاء حققوا كفر النصارى بسبب مخالطتهم للمسلمين ، وكان أولهم في زمن المأمون . وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة ، كغالية الرافضة الذين يقولون أنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته ، وغالية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية ، أو في بعضهم كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء . والثاني : هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولاً وهم السودان والقبط ، يقولون أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء ، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام . والثالث : هو الحلول العام ، وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين ، وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون أن الله بذاته في كل مكان ويتمسكون بمتشابه القرآن كقوله ( وهو الله في السماوات وفي الأرض ) وقوله ( وهو معكم ) والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث .