ابن تيمية

14

مجموعة الرسائل والمسائل

شيئاً ؟ قال " هي من قدر الله " . لكن إنما ثبتت في التقدير المعدوم الممكن الذي سيكون ، فأما المعدوم الممكن الذي لا يكون فمثل إدخال المؤمنين النار وإقامة القيامة قبل وقتها ، وقلب الجبال يواقيت ونحو ذلك ، فهذا المعدوم ممكن وهو شيء ثابت في العدم عند من يقول المعدوم شيء ، ومع هذا فليس بمقدر كونه ، والله يعلمه على ما هو عليه ، يعلم أنه ممكن وأنه لا يكون ، وكذلك الممتنعات مثل شريك الباري وولده ، فإن الله يعلم أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، ويعلم أنه ليس له شريك في الملك ولا ولي من الذل ويعلم أنه حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ، ويعلم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . وهذه المعدومات الممتنعة ليست شيئاً باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم ، فظهر أنه قد ثبت في العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد إذ العلم واسع ، فإذا توسع المتوسع وقال المعدوم شيء في العلم أو موجود في العلم أو ثابت في العلم فهذا صحيح ، أما أنه في نفسه شيء فهذا باطل ، وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في هذه المسألة . والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف : أن المعدوم ليس في نفسه شيئاً وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم ، قال الله تعالى لزكريا ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ) فأخبر أنه لم يك شيئاً . وقال تعالى ( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً ) وقال تعالى ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم أم خلقوا هم أنفسهم ، ولهذا قال جبير بن مطعم : لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع . ولو كان المعدوم شيئاً لم يتم الإنكار ، إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا من شيء ، لكن هو معدوم يكون الخالق لهم شيئاً معدوماً . وقال تعالى ( فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً ) ولو كان المعدوم شيئاً لكان التقدير : لا يظلمون موجوداً ولا معدوماً ، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم . وأما قوله ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة