ابن تيمية
99
مجموعة الرسائل والمسائل
ولا حكمة تعود إليه ، وكذلك في الكلام أولئك أثبتوا كلاماً هو فعله لا يقوم به ، وهؤلاء يقولون ما لا يقوم به لا تعود حكمته إليه ، والفريقان يمنعون أن تقوم به حكمة مرادة له ، كما يمنع الفريقان أن يقوم به كلام وفعل يريده ، وقول أولئك أقرب إلى قول السلف والفقهاء إذ أثبتوا الحكمة والمصلحة في أفعاله وأحكامه ، وأثبتوا كلاماً يتكلم به بقدرته ومشيئته ، وقول هؤلاء أقرب إلى قول السلف إذ أثبتوا الصفات وقالوا : لا يوصف بمجرد المخلوق المفصل عنه الذي لم يقم به أصلاً ، ولا يعود إليه حكم شيء لم يقم به ، فلا يكون متكلماً بكلام لم يقم به ، ولا قديراً بقدرة لم تقم به ، فكل من المعتزلة والأشعرية في مسائل كلام الله وأفعال الله وافقوا السلف والأئمة من وجه وخالفوهم من وجه ، وليس قول أحدهم قول السلف دون الآخر ، لكن الأشعرية في جنس مسائل الصفات والقدر أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة . فإن قيل : فقد قال تعالى " إنه لقول رسول كريم " وهذا يدل على أن الرسول أحدث الكلام العربي ، قيل : هذا باطل ، وذلك أن الله ذكر هذا في موضعين والرسول في أحد الموضعين محمد والرسول في الآية الأخرى جبريل ، قال تعالى في سورة الحاقة " إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون " الآية ، فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال في سورة التكوير " إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين " فالرسول هنا جبريل ، فلو كان أضافه إلى الرسول لكونه أحدث حروفه أو أحدث منه شيئاً لكان الخبران متناقضين ، فإنه إن كان أحدهما الذي أحدثها امتنع أن يكون الآخر هو الذي أحدثها . وأيضاً فإنه قال " لقول رسول كريم " ولم يقل لقول ملك ولا نبي ، ولفظ الرسول يستلزم مرسلاً له ، فدل ذلك على أن الرسول مبلغ له عن مرسله لا إنه أنشأ منه شيئاً من جهة نفسه ، وهذا يدل على أنه أضافه إلى الرسول لأنه بلغه وأداه ، لا لأنه أنشأ منه شيئاً وابتدأه