ابن تيمية

95

مجموعة الرسائل والمسائل

بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله ، والله تعالى يعلم ما كان وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون ، وهو سبحانه قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها ، كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة وآثار السلف ، ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها ، فيقابل من الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنها فلا يكون بينهما تفاوت ، هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف وهو حق ، فإذا كان ما يخلقه ثابتاً عنه قبل كتبه أن يخلقه فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم به . ومن قال إن جبريل أخذ القرآن عن الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلاً من وجوه : منها أن يقال إن الله تعالى كتب التوراة لموسى بيده فبنوا إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو سبحانه فيه ( 1 ) ، فإن كان محمد أخذه من جبريل وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلا من محمد بدرجة ، ومن قال إنه ألقي إلى جبريل معاني وأن جبريل عبر عنها بالكلام العربي ، فقوله يستلزم أن يكون جبريل ألهمه إلهاماً ، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين كما قال تعالى : " وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي " وقال " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " وقد أوحى إلى سائر النبيين ، فيكون هذا الوحي الذي لا يكون لآحاد الأنبياء والمؤمنين أعلا من أخذ محمد القرآن عن جبريل لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء ، ولهذا زعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ، قال : لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول ، فجعل أخذه وأخذ الملك الذي جاء إلى الرسول من معدن واحد ، وادعى أن أخذه عن الله أعلا من أخذ الرسول للقرآن ، ومعلوم أن هذا من أعظم الكفر ، وإن هذا القول من جنسه .

--> ( 1 ) الذي عندهم أن الذي كتبه الله في الألواح هو الوصايا العشر لا كل ما يسمونه التوراة