ابن تيمية
93
مجموعة الرسائل والمسائل
عائد إلى " ما " في قوله " والله أعلم بما ينزل " فالذي أنزله الله هو الذي نزله روح القدس ، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزله من الله ، فلا يكون شيء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ولا نزله من نفسه . وأيضاً فإنه قال عقب هذه الآية " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذين يلحدون إليه أعجمي " الآية . وهم كانوا يقولون إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر ، ولم يكونوا يقولون إنما يعلمه بشر معانيه فقط ، بدليل قوله " لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " فإنه تعالى أبطل قول الكفار بأن لسان الذي ألحدوا إليه فجعلوه هو الذي يعلم محمداً القرآن لسان أعجمي ، والقرآن لسان عربي مبين ، فلو كان الكفار قالوا يعلمه معانيه فقط لم يكن هذا رداً لقولهم ، فإن الإنسان قد يتعلم من الأعجمي شيئاً بلغة ذلك الأعجمي ويعبر عنه بعباراته ، وقد اشتهر في التفسير أن بعض الكفار كانوا يقولون هو تعلمه من شخص كان بمكة أعجمي ، قيل إنه كان مولى لابن الحضرمي . وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشراً والله أبطل ذلك بأن لسان ذاك أعجمي وهذا لسان عربي مبين ، علم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين ، وأن محمداً لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس ، وإذا كان روح القدس نزل به من الله ، علم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو ، وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله ، وكذلك قوله " هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً " الآية . والكتاب اسم للكلام العربي بالضرورة والاتفاق ، فإن الكلابية أو بعضهم يفرق بين كلام الله وكتاب الله ، فيقول كلام الله هو المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق ، وكتابه هو المنظوم المؤلف العربي وهو المخلوق ، والقرآن يراد به تارة وهذا وتارة هذا ، والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآناً وكتاباً وكلاماً ، فقال تعالى