ابن تيمية
90
مجموعة الرسائل والمسائل
والدعوة إليه ، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك ، فإن الجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر ، وقال : يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يكلم موسى تكليماً ، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً " ثم نزل فذبحه ، ولكن المعتزلة إن وافقوا جهماً في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك ، كمسائل الإيمان والقدر وبعض مسائل الصفات أيضاً ، ولا يبالغون في النفي مبالغته ، وجهم يقول : إن الله لا يتكلم أو يقول أنه متكلم بطريق المجاز ، وأما المعتزلة فيقولون أنه يتكلم حقيقة لكن قولهم في المعنى هو قول جهم ، وجهم ينفي الأسماء أيضاً كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة ، وأما جمهور المعتزلة فلا تنفي الأسماء . فالمقصود أن قوله " منزل من ربك " فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من المخلوقات ، ولهذا قال السلف : منه بدأ ، أي هو الذي تكلم به لم يبتدئ من غيره كما قال الخلقية . ومنها أن قوله " منزل من ربك " فيه بطلان قول من يجعله فاض على نفس النبي من العقل الفعال أو غيره ( 1 ) كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة وهذا القول أعظم كفراً وضلالاً من الذي قبله . ومنها أن هذه الآية أيضاً تبطل قول من قال أن القرآن العربي ليس منزلاً
--> ( 1 ) هذا يشبه قول بعض فلاسفة أوربة أن وحي الأنبياء يفيض من أنفسهم في أحوال مخصوصة تستولي عليها وتستغرق ادراكها ووجدانها كاستيلاء كراهة الوثنية على نبينا صلى الله عليه وسلم . ويرده أن الوحي إليه لم يكن مقصوداً على إبطال الوثنية وخرافاتها واثبات التوحيد وما يناسبه من العبادات والفضائل ، بل فيه من أخبار الغيب الماضية والآتية ومن الحكمة وأصول التشريع مالا يعقل أن يكون نابعا من نفس رجل أمي ولا متعلم . وإنما يعقل أن يكون وحيا من عالم الغيب والشهادة