ابن تيمية

9

مجموعة الرسائل والمسائل

وترك المحظور فقد تم حجه وعمرته لله وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل ، لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل منه وأتم حجاً وعملاً وهو سابق مقرب ، ومن ترك المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بأركانه وترك مفسداته فهو حج ناقص يثاب على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه ، وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك مع عقوبته على ما ترك ، ومن أخل بركن أو فعل مفسداً فحجه فاسد لا يسقط به فرضه بل عليه إعادته ، مع أنه قد تنازعوا في إثباته على ما فعله وإن لم يسقط به الفرض ، والأشبه أنه يثاب عليه ، فصار الحج ثلاثة أقسام كاملاً بالمستحبات ، وتاماً بالواجبات فقط ، وناقصاً عن الواجب ، والفقهاء يقسمون الوضوء إلى كامل فقط ومجزئ ، ويريدون بالكامل ما أتى بمفروضه ومسنونه بالمجزئ ما اقتصر على واجبه ، فهذا في الأعمال المشروعة وكذلك في الأعيان المشهودة فإن الشجرة مثلاً اسم لمجموع الجذع والأغصان وهي بعد ذهاب الورق شجرة كاملة وبعد ذهاب الأغصان شجرة ناقصة ، فليكن مثل ذلك في مسمى الإيمان . والذين قالوا ( 1 ) الإيمان ثلاث درجات : إيمان السابقين المقربين ، وهو ما أتي فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك ، وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين وهو ما ترك صاحبه فيه بعض الواجبات ، أو فعل فيه بعض المحظورات ، ولهذا قال علماء السنة : لا يكفر أحد بذنب ، إشارة إلى بدعة الخوارج الذين يكفرون بالذنب ، وإيمان الظالمين لأنفسهم وهو من أقر بأصل الإيمان وهو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله وهو شهادة أن لا إله إلا الله ولم يفعل المأمورات ويجتنب المحظورات ، فإن أصل الإيمان التصديق والانقياد فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن وقد تواتر في الأحاديث : " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان - مثقال حبة من خير - مثقال ذرة من خير " و " الإيمان بضع وستون أو بضع

--> ( 1 ) قوله والذين قالوا - ليس بعده ما يصلح أن يكون خبراً له فالظاهر أن أصله : وقالوا