ابن تيمية

87

مجموعة الرسائل والمسائل

ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان : نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك ، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله ، فاللفظ الذي أثبته الله ، أو نفاه ( 1 ) فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل والألفاظ الشرعية لها حرمة ، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني ، فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما أخبر ، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر ، ثم إذا عرفنا تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم والإيمان ، وقد قال تعالى : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " . وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده ، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره . ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو جمال عبر بغيرها أو بين مراده بها ، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي ، فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة ، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها ، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن يعرف دليله ، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئاً بل يكون في قوله نوع من الصواب ، وقد يكون هذا مصيباً من وجه ، وقد يكون الصواب في قول ثالث . وكثير من الكتب المصنفة في أصول العلوم الدين وغيرها تجد الرجل المصنف فيها في المسألة العظيمة كمسألة القرآن والرؤية والصفات والمعاد وحدوث العالم وغير ذلك يذكر أقوالاً متعددة ، والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه

--> ( 1 ) كذا في الأصل وقد سقط منه الخبر الذي يتم به الكلام ويعلم من القرينة ومما يعده وهو : لا يكون إلا حقا في اثباته ونفيه