ابن تيمية
78
مجموعة الرسائل والمسائل
فيجب على الإنسان في مسألة الكلام أن يتحرى أصلين : أحدهما تكلم الله بالقرآن وغيره ، هل تكلم به بمشيئته وقدرته أم لا ؟ وهل تكلم بكلام قائم بذاته أم خلقه في غيره ؟ والثاني بتبليغ ذلك الكلام عن الله وأنه ليس مما يتصف به الثاني وإن كان المقصود بالتبليغ الكلام المبلغ ، وبسط هذا له موضع آخر . وأيضاً فهذان المتنازعان إذا قال أحدهما إنها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث ، وقال الآخر : إنها ليست بكلام الله وإنها مخلوقة بشكلها ونقطها ، قد يفهم من هذا أنهما أرادا بالحروف الحروف المكتوبة دون المنطوقة ، والحروف المكتوبة قد تنازع الناس في شكلها ونقطها ، فإن الصحابة لما كتبوا المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة لأنهم إنما كانوا يعتمدون في القرآن على حفظه في صدورهم لا على المصاحف ، وهو منقول بالتواتر محفوظ في الصدور ، ولو عدمت المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة ، فإن المسلمين ليسوا كأهل الكتاب الذين يعتمدون على الكتب التي تقبل التغير ، والله أنزل القرآن على محمد فتلقاه تلقياً وحفظه في قلبه ، لم ينزله مكتوباً كالتوراة ، وأنزله منجماً مفرقاً ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب ، كما قال تعالى : " وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " الآية ، وقال تعالى : " وقرآناً فرقناه " الآية ، وقال تعالى : " ولا تعجل بالقرآن " الآية . وقال تعالى : " إن علينا جمعه وقرآنه " الآية وفي الصحيح عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك شفتيه ، فقال ابن عباس : أنا أحركهما لك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحركهما ؛ فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى : " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " قال جمعه في صدرك ثم تقرأه " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " قال : فاستمع له وأنصت " ثم إن علينا بيانه " أي نبينه بلسانك ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه ، فلهذا لم تكن الصحابة ينقطون