ابن تيمية

70

مجموعة الرسائل والمسائل

قدم الكلام مع كونه مشاهداً للمحدث جاز دعوى التشبيه بظواهر الآي والأخبار ، ولا مانع من ذلك ، فلما فزعنا نحن وأنتم إلى نفي التشبيه خوفاً من جواب دخول القرآن بالحدث علينا ، كذلك يجب أن تفزعوا من القول بالقدم مع وجود الشبه ، حتى إن بعض أصحابكم يقول لقوة ما رأى من الشبه بينهما أن الكلام واحد والحروف غير مخلوقة ، فكيف يجوز أن يقال في الشيء الواحد إنه قديم محدث . قلت : وهذا الذي حكى عنه ابن عقيل من بعض الأصحاب المذكورين منهم القاضي يعقوب البرزيني ذكره في مصنفه فقال : دليل عاشر ، وهو أن هذه الحروف بعينها وصفتها ومعناها وفائدتها هي التي في كتاب الله تعالى وفي أسمائه وصفاته والكتاب بحروفه قديم ، وكذلك ها هنا ، قال : فإن قيل لا نسلم أن تلك لها حرمة وهذه لا حرمة لها ، قيل : لا نسلم بل لها حرمة . فإن قيل : لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض والنفساء من مسها وقراءتها ، قيل : قد لا تمنع من قراءتها ومسها ويكون لها حرمة كبعض آية لا تمنع من قراءتها ولها حرمة وهي قديمة ، وإنما لم تمنع قراءتها ومسها للحاجة إلى تعليمها كما يقال في الصبي يجوز له مس المصحف على غير طهارة للحاجة إلى تعليمه . فإن قيل : فيجب إذا حلف بها حالف أن ينعقد يمينه وإذا خالف يمينه أن يحنث ، قيل له : كما في حروف القرآن مثله نقول هنا . فإن قيل : أليس إذا وافقها في هذه المعاني دل على أنها هي ، ألا ترى أنه إذا تكلم متكلم بكلمة يقصد بها خطاب آدمي فوافق صفتها صفة ما في كتاب الله تعالى مثل قوله : يا داود ، يا نوح ، يا يحيى ، وغير ذلك فإنه موافق لهذه الأسماء التي في كتاب الله وإن كانت في كتاب الله قديمة وفي خطاب الآدمي محدثة ؟ قيل : كل ما كان موافقاً لكتاب الله من الكلام في لفظه ونظمه وحروفه فهو من كتاب الله وإن قصد به خطاب آدمي .