ابن تيمية

62

مجموعة الرسائل والمسائل

نظيرها في كلام العباد لا في كلام الله ، وقولنا يوجد نظيرها في كلام الله تقريب أي يوجد فيما نقرأه ونتلوه ، فإن الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى وإبراهيم هو مثل الصوت المسموع من ذلك في غير القرآن ، وكلا الصوتين مخلوق ، وأما الصوت الذي يتكلم الله به فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين ، وكلام الله هو كلامه بنظمه ومعانيه ، وذلك الكلام ليس مثل كلام المخلوقين ، فإذا قلنا : " الحمد لله رب العالمين " وقصد بذلك قراءة القرآن الذي تكلم الله به فذلك القرآن تكلم الله بلفظه ومعناه لا يماثل لفظ المخلوقين ومعناهم ، وأما إذا قصدنا به الذكر ابتداءً من غير أن يقصد قراءة كلام الله فإنما نقصد ذكراً ننشئه نحن يقوم معناه بقلوبنا ، وننطق بلفظه بألسنتنا ، وما أنشأناه من الذكر فليس هو من القرآن وإن كان نظيره في القرآن ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن فجعل درجتها دون درجة القرآن ، وهذا يقتضي أنها ليست من القرآن . ثم قال : " هي من القرآن " وكلا قوليه حق وصواب ، ولهذا منع أحمد أن يقال الإيمان مخلوق ، وقال لا إله إلا الله من القرآن ، وهذا الكلام لا يجوز أن يقال إنه مخلوق وإن لم يكن من القرآن ، ولا يقال في التوراة والإنجيل إنهما مخلوقان ، ولا يقال في الأحاديث الإلهية التي يرويها عن ربه أنها مخلوقة كقوله : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " فكلام الله قد يكون قرآناً وقد لا يكون قرآناً والصلاة إنما تجوز وتصح بالقرآن ، وكلام الله كله غير مخلوق . فإذا فهم هذا في مثل هذا فليفهم في نظائره وإن ما يوجد من الحروف والأسماء في كلام الله ويوجد في غير كلام الله يجوز أن يقال إنه من كلام الله