ابن تيمية
60
مجموعة الرسائل والمسائل
الله لفظه ومعناه ، وإذا قرأه القراء فإنما يقرؤونه بأصواتهم ، ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون : من قال اللفظ بالقرآن أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع ، وفي بعض الروايات عنه : من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي ، لأن اللفظ يراد به المصدر لفظ يلفظ لفظاً ، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق ، ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ وذلك كلام الله لا كلام القارئ ، فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن ، وإن هذا الذي يقرأه المسلمون ليس هو كلام الله ، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم الاضطرار من دين الرسول . وأما صوت العبد فهو مخلوق ، وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت العبد ولم يقل أحمد قط : من قال إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، وإنما قال : من قال لفظي بالقرآن ، والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح ، فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه ، وهو إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير ، ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد ، ويراد به نفس الكلام الذي يقرأه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه ، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي الإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق ، وقال أحمد : نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف أي حيث تلي وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه وكلامه غير مخلوق ، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق ، ولهذا لم يهتد إلى هذا الفرق يحار ، فإنه معلوم أن القرآن واحد ويقرأه خلق كثير ، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة القراء وإنما يكثر