ابن تيمية

53

مجموعة الرسائل والمسائل

في القرآن إذا وجدت في كلام العباد مثل آدم ونوح ومحمد وإبراهيم وغير ذلك ، فيقال هذه الأسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها لكن لم يتكلم بها مفردة ، فإن الاسم وحده ليس بكلام ولكن يتكلم بها في كلامه الذي أنزله في مثل قوله : " محمد رسول الله " وقوله : " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً - إلى قوله - رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي " وقوله : " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " ونحو ذلك ونحن إذا تكلمنا بكلام ذكرنا فيه هذه الأسماء فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة ، كما قال أحمد بن حنبل لرجل : ألست مخلوقاً ؟ قال : بلى ، قال : أليس كلامك منك ؟ قال : بلى ، قال : أليس كلامك مخلوقاً ؟ قال : بلى ، قال : فالله تعالى غير مخلوق ، وكلامه منه ليس بمخلوق . فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق وهم إنما يتكلمون بالأسماء والحروف التي يوجد نظيرها في كلام الله تعالى ، لكن الله تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق ، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد . فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ، والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة والصوت الذي سمعه منه موسى ليس كأصوات شيء من المخلوقات ، والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين ، كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده ، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات ، وهو سبحانه فقد علم العباد من علمه ما شاء كما قال تعالى : " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " وهم إذا علمهم الله ما علمهم من علمه فنفس علمه الذي اتصف به ليس مخلوقاً ونفس العباد وصفاتهم مخلوقة ، لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقاً ، فلا يقال إن ذلك العلم مخلوق لاتصاف الرب به وإن كان ما يتصف به العبد مخلوقاً .