ابن تيمية
5
مجموعة الرسائل والمسائل
حديث أم هانئ : كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي من الليل . وقال الأثرم : سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال : كل شيء محدث فإنه لا يعجبني إلا أن يكون صوت رجل لا يتكلفه . قال : وأما قول القائل أن أحمد قال ذلك خوفاً من الناس فبطلان هذا القول يعلمه كل عاقل بلغه شيء من أخبار أحمد ، وقائل هذا هو إلى العقوبة البليغة أحوج منه إلى جوابه لافترائه على الأئمة ، فإن الإمام أحمد صار مثلاً سائراً يضرب به المثل في المحنة ، والصبر على الحق ، فإنه لم يكن يأخذه في الله لومة لائم ، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد فيقال قال الإمام أحمد وهذا مذهب الإمام أحمد لقوله تعالى : " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " فإنه أعطي من الصبر واليقين ، وينال به الإمامة في الدين ، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء والولاة ما لا يحصيه إلا الله ، فبعضهم تسلط عليه بالحبس ، وبعضهم بالتهديد الشديد ، وبعضهم يعده بالقتل ، وبغيره من الرعب ، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال ، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه ، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون ، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه ، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم العلم ، ولا استعمل التقية ، بل قد أظهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك مما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه ، ولهذا قال بعض علماء الشام لم يظهر أحد ما جاء به الرسول كما أظهره أحمد بن حنبل ، فكيف يظن به أنه كان يخاف هذه الكلمة التي لا قدر لها ، وأيضاً فمن أصوله أنه لا يقول في الدين قولاً مبتدعاً ، فكيف بكلمة ما قالها أحد قبله . قال : فالمنتسبون إلى السنة والحديث وإن كانوا أصلح من غيرهم وفيهم من الخير