ابن تيمية

43

مجموعة الرسائل والمسائل

كلاب ، ثم افترق موافقوه ، فمنهم من قال ذلك الكلام معنى واحد هو الأمر بكل مأمور ، والنهي عن كل محظور ، والخبر عن كل مخبر عنه ، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وقالوا معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد ، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين ، وقالوا الأمر والنهي والخبر صفات الكلام لا أنواع له ، ومن محققيهم من جعل المعنى يعود إلى الخبر والخبر يعود إلى العلم . وجمهور العقلاء يقولون قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة ، وهؤلاء يقولون تكليمه لموسى ليس إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى ، فقيل لهم : أفهم كل الكلام أم بعضه ؟ إن كان فهمه كله فقد علم علم الله ، وإن كان فهم بعضه فقد تبعض ، وعندهم كلام الله لا يتبعض ولا يتعدد ، وقيل لهم : لقد فرق الله بين تكليمه لموسى وإيحائه لغيره ، وعلى أصلكم لا فرق ، وقيل لهم : قد كفر الله من جعل القرآن العربي قول البشر ، وقد جعله تارة قول رسول من البشر ، وتارة قول رسول من الملائكة ، فقال في موضع : " إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون " فهذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال في الآية الأخرى : " إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين " فهذا جبريل ، فأضافه تارة إلى الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري ، والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ، وكان بعض هؤلاء ادعى أن القرآن العربي أحدثه جبريل أو محمد فقيل لهم : لو أحدثه أحدهما لم يجز إضافته إلى الآخر ، وهو سبحانه إضافة إلى كل منهما باسم الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك والنبي ، فدل على ذلك على أنه قول رسول بلغه عن مرسله لا قول ملك أو نبي أحدثه من تلقاء نفسه ، بل قد كفر من قال أنه قول البشر . والطائفة الأخرى التي وافقت ابن كلاب على أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته