ابن تيمية

41

مجموعة الرسائل والمسائل

أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه ، فيقولون : الحدوث نوعان ، ذاتي وزماني ، ونحن نقول أن الفلك محدث الحدوث الزماني بمعنى أنه معلول وإن كان أزلياً لم يزل مع الله ، وقالوا : إنه مخلوق بهذا الاعتبار ، والكتب الإلهية أخبرت بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، والقديم الأزلي لا يكون في أيام ، وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق كل شيء وأنه خلق كذا إنما أرادوا بذلك أنه خلق المخلوق وأحدثه بعد أن لم يكن كما قال : " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً " والعقول الصريحة توافق ذلك وتعلم أن المفعول المخلوق المصنوع لا يكون مقارناً للفاعل في الزمان ولا يكون إلا بعده ، وإن الفعل لا يكون إلا بإحداث المفعول ، وقالوا لهؤلاء قولكم : " إنه مؤثر تام في الأزل " لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء ، ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء ، ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره ، فإن أردتم الأول لزم أن لا يحدث في العالم حادث ، وهذا خلاف المشاهدة ، وإن أردتم الثاني لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقاً حادثاً كائناً بعد أن لم يكن ، وإن كان الرب لم يزل متكلماً بمشيئته فعالاً لما يشاء ، وهذا يناقض قولكم ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق ويوافق ما أخبرت به الرسل ، وعلى هذا يدل العقل الصريح ، فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء ، وإن أردتم فسد قولكم لأنه يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلاً لها من غير تجدد سبب يوجب الأحداث ، وهذا يناقض قولكم ، فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثاً لشيء ، وإن لم يصح هذا بطل ، فقولكم باطل على التقديرين ، وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في الزمن وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء ، ويلزمكم أن كل ما حدث حدث بدون مؤثر ، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر ، وليس لكم أن تقولوا بعض الآثار يقارن المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه .