ابن تيمية
29
مجموعة الرسائل والمسائل
وأما السلف والأئمة فأصلهم مطرد . ومما احتجوا به على أن القرآن غير مخلوق ما احتج به الإمام أحمد وغيره من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أعوذ بكلمات الله التامات " قالوا والمخلوق لا يستعاذ به ، فعورضوا بقوله : " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك " فطرد السلف والأئمة أصلهم وقالوا معافاته فعله القائم به ، وأما العافية الموجودة في الناس فهي مفعوله . وكذلك قالوا أن الله خالق أفعال العباد فأفعال العباد القائمة بهم مفعولة له لا نفس فعله ، وهي نفس فعل العبد ، وكان حقيقة قول أولئك نفي فعل الرب ونفي فعل العبد . فتسلطت عليهم المعتزلة في مسألة الكلام والقدر تسلطاً بينوا به تناقضهم كما بينوا هم تناقض المعتزلة . وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة ، فإنه يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى ، فيعرف الطالب فساد تلك الأقوال ، ويكون ذلك داعياً له إلى طلب الحق ، ولا تجد الحق إلا موافقاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقاً لصريح المعقول ، فيكون ممن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وممن له قلب يعقل به وأذن يسمع بها ، بخلاف الذين قالوا : " لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير " . وقد وافق الكلابية على قولهم كثير من أهل الحديث والتصوف ومن أهل الفقه المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وليس من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين من يقول بقولهم . وحدث مع الكلابية ونحوهم طوائف أخرى من الكرامية وغير الكرامية من أهل الفقه والحديث والكلام فقالوا أنه سبحانه متكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته ، وهو يتكلم بحروف وأصوات بمشيئته وقدرته ، ليتخلصوا بذلك من بدعتي المعتزلة والكلابية ، لكن قالوا أنه لم يكن يمكنه في الأول أن يتكلم بل صار