ابن تيمية
27
مجموعة الرسائل والمسائل
فينادي ، قيل هذا ليس في الصحيح ، فإن صح أمكن الجمع بين الخبرين بأن ينادي هو ويأمر منادياً ينادي . أما أن يعارض بهذا النقل النقل الصحيح المستفيض الذي اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول مع أنه صريح في أن الله تعالى هو الذي يقول : " من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ " فلا يجوز . وكذلك جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئاً ولا حياً ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز ، قال لأنه إذا سمي باسم تسمى به المخلوق كان تشبيهاً ، وكان جهم مجبراً يقول : إن العبد لا يفعل شيئاً ، فلهذا نقل عنه أنه سمى الله قادراً لأن العبد عنده ليس بقادر . ثم إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد دخلوا في مذهب جهم ، فأثبتوا أسماء الله تعالى ولم يثبتوا صفاته ، وقالوا نقول أن الله متكلم حقيقة ، وقد يذكرون إجماع المسلمين على أن الله متكلم حقيقة ، لئلا يضاف إليهم أنهم يقولون أنه غير متكلم ، لكن معنى كونه سبحانه متكلماً عندهم أنه خلق الكلام في غيره ، فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى سواء ، لكن هؤلاء يقولون هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن يكون متكلماً حقيقة . وحقيقة قول الطائفتين أنه غير متكلم ، فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام ، ولا مريد إلا من قامت به الإرادة ، ولا محب ولا راض ولا مبغض ولا رحيم إلا من قام به الإرادة والمحبة والرضى والبغض والرحمة ، وقد وافقهم على ذلك كثير ممن انتسب في الفقه إلى أبي حنيفة من المعتزلة ، وغيرهم من أئمة المسلمين ليس فيهم من يقول بقول المعتزلة لا في نفي الصفات ولا في القدر ولا المنزلة بين المنزلتين ولا إنفاذ الوعيد . ثم تنازع المعتزلة والكلابية في حقيقة المتكلم ، فقالت المعتزلة : المتكلم من فعل الكلام ولو أنه أحدثه في غيره ، ليقولوا أن الله يخلق الكلام في غيره وهو متكلم به ، وقالت الكلابية : المتكلم من قام به الكلام وإن لم يكن متكلماً بمشيئته