ابن تيمية
22
مجموعة الرسائل والمسائل
الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " . وقال تعالى : " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً " ففرق سبحانه بين المداد الذي تكتب به كلماته وبين كلماته ، فالبحر وغيره من المداد الذي يكتب به الكلمات مخلوق ، وكلمات الله غير مخلوقة . وقال تعالى : " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " فالأبحر إذا قدرت مداداً تنفد وكلمات الله لا تنفد . ولهذا قال أئمة السنة : لم يزل الله متكلماً كيف شاء وبما شاء كما ذكرت الآثار بهذه المعاني عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما . هذا وقد أخبر الله سبحانه عن نفسه بالنداء في أكثر من عشرة مواضع ، فقال تعالى : " فلما ذاقا الشجرة بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكم إن الشيطان لكما عدو مبين " . وقال تعالى : " ويوم يناديهم أين شركائي الذين كنتم تزعمون " " ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " وذكر سبحانه نداءه لموسى عليه السلام في سورة طه ومريم والطس الثلاث وفي سورة والنازعات ، وأخبر أنه ناداه في وقت بعينه فقال تعالى : " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين " . وقال تعالى : " هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى " . وقال تعالى : " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا " واستفاضت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة أنه سبحانه ينادي بصوت ، نادى موسى وينادي عباده يوم القيامة بصوت ، ويتكلم بالوحي بصوت ، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال أن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف ، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف ، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذي سمعه قديم ، ولا أن ذلك النداء قديم ، ولا قال أحد منهم أن هذه