ابن تيمية
156
مجموعة الرسائل والمسائل
منها ولم ينادهما قبل ذلك ، وكذلك قال تعالى : " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " بعد أن خلق آدم وصوره ولم يأمرهم قبل ذلك ، وكذا قوله " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " فأخبر أنه قال له كن فيكون بعد أن خلقه من تراب ، ومثل هذا الخبر في القرآن كثير يخبر أنه تكلم في وقت معين ونادى في وقت معين ، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما خرج إلى الصفا قرأ قوله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله " وقال : " نبدأ بما بدأ الله به " فأخبر أن الله بدأ بالصفا قبل المروة . والسلف اتفقوا على أن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود . فظن بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين ، ثم قالت طائفة : هو معنى واحد وهو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي ، والخبر بكل مخبر ، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً ، وهذا القول مخالف للشرع والعقل . وقالت طائفة : هو حروف وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله لم تزل لازمة لذاته ، وإن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معاً أزلاً وأبداً لم تزل ولا تزال لم يسبق منها شيء شيئاً ، وهذا مخالف للشرع والعقل . وقالت طائفة : إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، وأنه في الأزل كان متكلماً بالنداء الذي سمعه موسى ، وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى الوادي المقدس بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء . وهؤلاء وافقوا الذين قالوا أن القرآن مخلوق في أصل قولهم ، فإن أصل قولهم أن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية فلا يقوم به كلام لا فعل باختياره ومشيئته ، وقالوا هذه حوادث والرب لا تقوم به الحوادث فخالفوا صحيح المنقول وصريح المعقول واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم ، وأخطأوا في ذلك ، فلا للإسلام نصروا ، ولا للفلاسفة كسروا