ابن تيمية
138
مجموعة الرسائل والمسائل
وكل كلام في الوجود كلامه . . . سواء علينا نثره ونظامه وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذي يقولون : إن كلام الآدميين غير مخلوق ، فإن كل واحد من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق فأولئك يجعلون الجميع مخلوقاً وأن الجميع كلام الله ، وهؤلاء يجعلون الجميع كلام الله وهو غير مخلوق ، ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية وشيخ المشبهة الحلولية بسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الإسلام سلط الله أعداء الدين ( 1 ) فإن الله يقول : " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " وأي معروف وأعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته ؟ وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله وآياته ؟ الوجه الثاني أن يقال لهؤلاء الضالين : ما خلقه الله في غيره من الكلام وسائر الصفات فإنما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره ، فإذا خلق الله في بعض الأجسام حركة أو طعماً أو لوناً أو ريحاً كان ذلك الجسم هو المتحرك المتلون المطعوم ، وإذا خلق بمحل حياة أو علماً أو قدرة أو إرادة أو كلاماً كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم ، فإذا خلق كلاماً في الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام ، كما لو خلق فيه إرادة أو حياةً أو علماً ، ولا يكون الله هو المتكلم به ، كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعاً أو بصراً كان ذلك المحل هو الحي به والقادر به والسميع به والبصير به ، فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفاً بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة ، فلا يكون هو المتحرك بما خلقه في غيره من الحركات ، ولا المصوت بما خلقه في غيره من
--> ( 1 ) في الكلام نقص أصله ( حتى سلط الله علماء السنة ففضحوا أعداء الدين ) أو نحو هذا مما ينتظم به الكلام