ابن تيمية
135
مجموعة الرسائل والمسائل
السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة ، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني قال فيه : وإن القرآن كلام الله ، منه بدأ بلا كيفية قولاً ، وأنزله على نبيه وحياً ، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً ، وأثبتوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية ، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفره ، وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث قال : " سأصليه سقر " فلما أوعد الله سقر لمن قال : " إن هذا إلا قول البشر " علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر . وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر ، وهو الذي اشتهر بمحنة هؤلاء الجهمية ، فإنهم أظهروا القول بإنكار صفات الله تعالى وحقائق أسمائه وأن القرآن مخلوق ، حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى ، ودعوا الناس إلى ذلك ، وعاقبوا من لم يحبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق وإما بالعزل عن الولاية وإما بالحبس أو بالضرب وكفروا من خالفهم ، فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى أظهر الله به باطلهم ، ونصر أهل الإيمان والسنة عليهم ، وأذلهم بعد العز وأخملهم بعد الشهرة ، واشتهر عند خواص الأمة وعوامها أن القرآن كلام الله غير مخلوق وإطلاق القول أن من قال أنه مخلوق فقد كفر . وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق ، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، فإنه أنكر نص القرآن ، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله ، والذي يقول القرآن مخلوق فهو في المعنى موافق له فلذلك كفره السلف . قال البخاري في كتاب خلق الأفعال قال سفيان الثوري : من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، قال : وقال عبد الله بن المبارك من قال " إني أنا الله لا إله إلا أنا " مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك ، قال : وقال ابن المبارك : لا نقول