ابن تيمية

127

مجموعة الرسائل والمسائل

نوعاً من العمل وقسماً منه ، ويراد به تارة ما يقترن بالحركة ويكون عنها لا نفس الحركة فيكون الكلام قسيماً للعمل ونوعاً آخر ليس هو منه . ولهذا تنازع العلماء في لفظ العمل المطلق هل يدخل فيه الكلام على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم وبنوا على ذلك ما إذا حلف لا يعمل اليوم عملاً فتكلم هل يحنث ؟ على قولين : وذلك لأن لفظ الكلام قد يدخل في العمل وقد لا يدخل ، فالأول كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تحاسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فهو يقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لعملت مثل ما يعمل " كما أخرجه الشيخان في الصحيحين ، فقد جعل فعل هذا الذي يتلوه آناء الليل والنهار عملاً كما قال لعملت فيه مثل ما يعمل الثاني كما في قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " وقوله تعالى : " وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا شهوداً إذ تفيضون فيه " فالذين قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول والكلام المتلو ، وآخرون قالوا : بل التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء . والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليست هي كلام الله ولا أصوات العباد هي صوت الله ، وهذا الذي قصده البخاري وهو مقصود صحيح . وسبب ذلك أن لفظ التلاوة والقراءة واللفظ مجمل مشترك ، يراد به المصدر ويراد به المفعول ، فمن قال اللفظ ليس هو الملفوظ والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول المصدر كان معنى كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع وهذا صحيح ، ومن قال اللفظ هو الملفوظ والقول هو نفس المقول وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر ، صار حقيقة مراده أن اللفظ والقول هو الكلام المقول الملفوظ وهذا صحيح .