ابن تيمية

117

مجموعة الرسائل والمسائل

: " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً " وقال : " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً " ولا يحمد شيء بأنه متكلم ويذم بأنه غير متكلم إلا إذا كان الكلام قائماً به ، وبالجملة لا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم إلا من يقوم به القول والكلام ، كما لا يعقل حي إلا من تقوم به الحياة ، ولا عالم إلا من يقوم به العلم ، ولا متحرك إلا من تقوم به الحركة ولا فاعل إلا من يقوم به الفعل ، فمن قال : أن المتكلم هو الذي يكون كلامه منفصلاً عنه . قال ما لا يعقل ، ولم يفهم الرسل الناس هذا ، بل كل من سمع ما بلغته الرسل عن الله يعلم بالضرورة أن الرسل لم ترد بكلام الله ما هو منفصل بل ما هو متصف به . قالوا : المتكلم من فعل الكلام والله تعالى لما أحدث الكلام في غيره صار متكلماً فيقال لهم : للمتأخرين المختلفين هنا ثلاثة أقوال : قيل المتكلم من فعل الكلام ولو كان منفصلاً عنه ، وهذا إنما قاله هؤلاء . وقيل المتكلم من قام به الكلام ولو لم يكن بفعله ولا هو بمشيئته ولا قدرته ، وهذا قول الكلابية والسالمية ومن وافقهم . وقيل المتكلم من تكلم بفعله ومشيئته وقدرته فقام به الكلام ، وهذا قول أكثر أهل الحديث وطوائف من الشيعة والمرجئة والكرامية وغيرهم ، فأولئك يقولون هو صفة فعل منفصل عن الموصوف لا صفة ذات ، والصنف الثاني يقولون : صفة ذات لازمة للموصوف لا تتعلق بمشيئته ولا قدرته ، والآخرون يقولون هو صفة ذات وصفة فعل ، وهو قائم به يتعلق بمشيئته وقدرته . إذا كان كذلك فقولكم أنه صفة فعل ينازعكم فيه طائفة ، وإذا لم ينازعوا في هذا فيقال : هب أنه صفة فعل منفصل عن القائل الفاعل أو قائم به ؟ أما الأول فهو قولكم الفاسد ، وكيف تكون الصفة غير قائمة بالموصوف ، أو القول غير قائم بالقائل ؟ فإن قلتم : هذا بناء على أن فعل الله لا يقوم به لأنه لو قام به لقامت به