ابن تيمية

111

مجموعة الرسائل والمسائل

وكذلك تزول به الإشكالات الواردة في أفعال الرب وقدمها وحدوثها وحدوث العالم . وإذا قيل أن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكناً بخلاف ما إذا قيل اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم ، فإن كان هذا مكابرة للحس ، والمتكلم يعلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل وجودها بنوعها ، وأما نفس الصوت المعين الذي قام به التقطيع والتأليف المعين فيعلم أن عينه لم تكن موجودة قبله . والمنقول عن الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة مطابق لهذا القول ولهذا أنكروا على من زعم أن حرفاً من حروف المعجم مخلوق ، وأنكروا على من قال لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت : لا أسجد حتى أؤمر ، مع أن هذه الحكاية نقلت لأحمد عن سري السقطي وهو نقلها عن بكر بن خنيس العابد ، ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا إثبات أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذي يعبد الله بغير شرع ، فإن كثيراً من العباد يعبدون الله بما تحبه قلوبهم وإن لم يكونوا مأمورين به ، فقصد أولئك الشيوخ أن من عبد الله بالأمر ولم يفعل شيئاً حتى يؤمر بهن فهو أفضل ممن عبده بما لم يؤمر به ، وذكروا هذه الحكاية الإسرائيلية شاهدة لذلك ، مع أن هذه لا إسناد لها ولا يثبت بها حكم ، ولكن الإسرائيليات إذا ذكرت على طريق الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس . وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك مع أن هذا أمر اصطلاحي وخط غير العرب لا يماثل خط العرب ، ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة ثابتة عن الله ، بل هذا شيء لعله لم يخطر بقلوبهم والحروف المنطوقة لا يقال فيها بأنها منتصبة ولا ساجدة ، فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم يقولون أن الله لم يتكلم بالقرآن العربي ولا بالتوراة العبرية فقد قال عنهم ما لم يقولوه . وأما الإمام أحمد فإنه أنكر إطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الإطلاق وهو