ابن تيمية
109
مجموعة الرسائل والمسائل
أما على قول من جعل الأزل علة غائية للحركة فظاهر ، فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعلاً لها ، فقولهم في حركات الأفلاك نظير قول القدرية في حركة الحيوان ، وكل من الطائفتين قد تناقض قولهم ، فإن هؤلاء يقولون بأن فعل الحيوان صادر عن غيره لكون القدرة والداعي يستلزمان وجود الفعل ، والقدرة والداعي كلاهما من غير العبد ، فيقال لهم تقولون هكذا في حركة الفلك بقدرته وداعيه أنه يجب أن يكونا صادرين عن غيره ، وحينئذ فيكون الواجب بنفسه هو المحدث لتلك الحوادث شيئاً بعد شيء ، وإن كان ذلك بواسطة العقول ، وهذا القول الذي يقوله ابن سينا وأتباعه باطل أيضاً لأن الموجب بذاته القديم الذي يقارنه موجبه ومقتضاه يمتنع أن يصدر عنه حادث بواسطة أو بلا واسطة ، فإن صدور الحوادث عن العلة التامة الأزلية ممتنع بذاته ، وإذا قالوا بحركة توسطه قيل لهم إنما هو في حدوث الحركة ، فإن الحركة الحادثة شيئاً بعد شيء يمتنع أن يكون المقتضي لها علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها ، فإن ذلك جمع بين النقيضين ، إذا القول بمقارنة المعلول لعلته في الأزل ووجوده معها يناقض أن يتخلف المعلول أو شيء من المعلول عن الأزل ، فصار حقيقة قولهم أن الحوادث العلوية والسفلية لا يحدث بها . وهؤلاء يقولون كلام الله ما يفيض على النفوس الصافية كما أن ملائكة الله عندهم ما يتشكل فيها من الصور النورانية ، فلا يثبتون له كلاماً خارجاً عما في نفوس البشر ، ولا ملائكة خارجة عما في نفوسهم غير العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة ، مع أن أكثرهم يقولون أنها أعراض . وقد تبين في غير هذا الموضع أن ما يثبتونه من المجردات العقلية الحوادث ( 1 ) التي هي العقول والنفوس والمواد والصور إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان . وأما الصنف الثالث الذين فرقوا بين الواجب والممكن والخالق والمخلوق والغني الذي لا يفتقر إلى غيره ، والفقير الذي لا قوام له إلا بالغير ، فقالوا : كل ما قارن
--> ( 1 ) لعله للحوادث فليتأمل