ابن تيمية
82
مجموعة الرسائل والمسائل
وأيضاً فمن جعل للمقام حداً من الأيام إما ثلاثة وإما أربعة ، وإما عشرة وإما اثني عشر ، وإما خمسة عشر ، فإن قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع وهي تقديرات متقابلة ، فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام : إلى مسافر وإلى مقيم مستوطن وهو الذي ينوي المقام في المكان ، وهذا هو الذي تنعقد به الجمعة وتجب عليه ، وهذا يجب عليه إتمام الصلاة بلا نزاع فإنه المقيم المقابل للمسافر ، والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة والصيام ، وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا لا تنعقد به الجمعة ، وقالوا إنما تنعقد الجمعة بمستوطن . وهذا التقسيم وهو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع ، ولا دليل على أنه تجب على من لا تنعقد به ، بل من وجبت عليه انعقدت به ، وهذا إنما قالوه لما أثبتوا مقيماً يجب عليه الإتمام والصيام ووجدوه غير مستوطن فلم يمكن أن يقولوا تنعقد به الجمعة فإن الجمعة إنما تنعقد بالمستوطن ، لكن إيجاب الجمعة على هذا ، وإيجاب الصيام والإتمام على هذا هو الذي يقال إنه لا دليل عليه ؛ بل هو مخالف للشرع ، فإن هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في غزوة الفتح وفي حجة الوداع وحاله بتبوك ، بل وهذه حال جميع الحجيج الذين يقدمون مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا ، وقد يقدم الرجل بمكة رابع ذي الحجة وقد يقدم قبل ذلك بيوم أو أيام ، وقد يقدم بعد ذلك ، وهم كلهم مسافرون لا تجب عليهم جمعة ولا إتمام ، والنبي صلى الله عليه وسلم قدم رابعة من ذي الحجة وكان يصلي ركعتين لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام ؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك ولو كان