ابن تيمية
39
مجموعة الرسائل والمسائل
يرتفع الحرج عن الأمة ، ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر . وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره . وقد تقدم ذلك مفصلاً ، فعلم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما . وأما الجمع في الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به ، فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها ما ليس كذلك ؟ وأيضاً فابن شقيق يقول : حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته . أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت ؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت ؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علماً حتى يحيك في صدره منه ؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأله عنه ؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه ، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصة ، وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر وقتها ، فالحديث حجة عليهم كيفما كان ، وجواز تأخيرها ليس معلقاً بالجمع ، بل يجوز تأخيرها مطلقاً إلى آخر الوقت حين يؤخر العشاء أيضاً ، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين بين أحاديث المواقيت ، وهكذا في الحديث الصحيح " وقت المغرب ما لم يغب نور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل " كما قال : " وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ووقت العصر ما لم تصفر الشمس " فهذا الوقت المختص الذي بينه بقوله وفعله وقال : " الوقت ما بين هذين " ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به . ولو قال قائل : قوله جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر ، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من