ابن تيمية

36

مجموعة الرسائل والمسائل

ورواه مسلم أيضاً من حديث عمران بن حدير عن ابن شقيق قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة ، فسكت ثم قال : الصلاة ، فسكت ثم قال : لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر ، وقد استدل بما رواه على ما فعله فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر ، ولكن كان ابن عباس في أمر مبهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ، ورأى أنه إن قطعه فأتت مصلحته ، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر ، بل للحاجة تعرض له كما قال : أراد أن لا يحرج أمته ، ومعلوم أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضاً ، فإنه لو جمعه للسفر ، لجمع في الطريق ولجمع بمكة ، كما كان يقصر بها ، ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى ، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب ، ويصليها في وقتها ، ولا جمعه أيضاً كان للنسك ، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم فإنه من حينئذ صار محرماً فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ، ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر ، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس ، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته ، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا . قال البيهقي : ليس في رواية ابن شقيق عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر ، ولا نفي السفر ، فهو محمول على أحدهما