الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
128
مجموعة الرسائل
والآخرين وآل الامر إلى أن تغلب مثل معاوية على بلاد الاسلام ، وارتكب مظالم تقشعر منها الجلود وجهد في اطفاء نور النبوة والتوحيد وارجاع الناس القهقرى حتى مات ، وترك الامر لابنه الفاسق الفاجر بعد ما أكره الناس على البيعة له تحت سيوف عماله ، فاقتضت الأسباب والأوضاع الاجتماعية رجوع الامر إلى أهله . لكن هذه الأسباب أيضا لم تؤثر لان الأمة الا القليل منها لم تجب دعوة مولانا أبى عبد الله الحسين عليه السلام التي قام بها اتماما للحجة ، فتركت نصرته وباعت الدين بالدنيا ، فلما قتل الحسين عليه السلام اخر ذلك أي لم يتهيأ ما يقتضيه من الأسباب إلى سنة مأة وأربعين ، وفى هذا الأوان أيضا لما أذيع ذلك للظالمين وانكشف السر شدد أعداء الله وأعداء آل محمد عليهم السلام على المؤمنين وشيعة الحق فردوهم عما يأملون ، وبعد ذلك اخر الرخاء والفرج ولم يعلموا الشيعة بأزمنة أخرى ، ربما حصل فيها بعض الأسباب المقتضية لهذا الامر ويمنع المانع من تأثيرها ، وهكذا يستمر الامر إلى أن يأتي زمان لا يعلمه الا الله يوم الوقت المعلوم ، يوم ظهور مولانا المهدي عليه السلام ، ومما يؤثر حصول المقتضيات ويقويها ويوجب رفع الموانع ، الدعا لتعجيل الفرج . وعلى هذا نقول : ما ورد في تعيين وقت الفرج والرخاء ، انما ورد في مقام بيان هذه المراحل والأوضاع التي مرت على الأمة وبيان لبعض الأسباب الذي صار سببا لتأخير ظهور هذا الامر ، وتحقق ما وعد الله تعالى به أنبيائه ورسله وعباده . قال الله تعالى : ولقد سبقت حكمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون ، وان جندنا لهم الغالبون . هذا وقد ظهر لك ان ما في بعض الأخبار من توقع الرخاء في سنة كذا ، أو تأخيره إلى سنة كذا ، ليس معناه ان الامر يتحقق بمشية الله تعالى لا محالة في سنة كذا حتى إذا اخر منها يلزم منه العجز أو الجهل عليه ، تعالى الله عنهما علوا كبيرا . أو يقال : كيف يكون هذا مع دلالة الأخبار المتواترة على عدم تحقق ذلك لواحد من الأئمة عليهم السلام الا بقدر ما تحقق لأمير المؤمنين والامام المجتبى عليهم السلام ، والا ما يتحقق على النحو الكامل لمولانا المهدى بابي هو وأمي . فان المراد من هذه الأخبار ان امر ولايتهم من حيث الظهور وفعلية توليهم الأمور مشروطة بأمور : مثل قبول الأمة وتسليمهم لهم وغير ذلك مما لا يعلم الا باخبار الله تعالى ، وتخصيص بعض السنين والأوقات بالذكر انما يكون لأجل ان زوال بعض الموانع يجعل الفرج والرخاء أرجى وأسهل حصولا . فان قلت : ما فائدة الاخبار بذلك مع العلم بعدم حصوله ، لعدم تحقق شرطه أو وجود مانعه . قلت : مضافا إلى ما مر في ضمن الجواب الثاني فائدته أولا : اتمام الحجة وبيان ان الله تعالى لم يكتب على خلقه الذل والصغار وسيطرة الظالمين عليهم ، وانه لا يصيبهم ما أصابهم الا بما كسبت أيديهم . وثانيا : الترغيب إلى العمل وتشويق الناس وتشجيعهم على حفظ مواضعهم قبال الكفرة والظلمة ، وعلى حفظ الثبات ، والاستقامة في أداء الواجبات . وثالثا : تقوية روح الرجا وحسن الظن بالمستقبل حتى لا يتسلط عليهم القنوط عن رحمة الله تعالى ، ولا ييأسوا من روح الله ، وهذه حكمة كبيرة يجب على من يوسوس الناس بالسياسة الإلهية رعايتها حتى لا يخرجوا عن الطريق المستقيم ، ولا يتكاسلوا ، ولا يتقاعدوا عن العمل . هذا ، ما ألهمنا الله تعالى حول هذه الأحاديث والله ولى التسديد والتوفيق . ومنه يظهر لك تفسير غيرها من الأحاديث أنشأ الله تعالى .