أبو علي سينا

ط

منطق المشرقيين

القديمة . فأمر الأمير الشيخ الاشتغال برصد هذه الكواكب ، وأطلق له من الأموال ما يحتاج إليه ، وابتدأ الشيخ به ، وولاني اتخاذ آلاتها واستخدام صناعها ، حتى ظهر كثير من المسائل ، فكان يقع الخلل في أمر الرصد لكثرة الأسفار وعوائقها . وصنف الشيخ بأصبهان ( الكتاب العلائي ) . وكان من عجائب أمر الشيخ أني صحبته وخدمته خمسا وعشرين سنة فما رأيته - إذا وقع له كتاب مجدد - ينظر فيه على الولاء ، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه والمسائل المشكلة ، فينظر ما قاله مصنفه فيها ، فيتبين مرتبته في العلم ودرجته في الفهم . وكان الشيخ جالساً يوماً من الأيام بين يدي الأمير - وأبو منصور الجبائي حاضر - فجرى في اللغة مسئلة تكلم الشيخ فيها بما حضره ، فالتفت أبو منصور إلى الشيخ يقول : « إنك فيلسوف وحكيم ، ولكن ما تقرأ من اللغة ما يرضى كلامك فيها . » فاستنكف الشيخ من هذا الكلام ، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين ، واستهدى كتاب ( تهذيب اللغة ) من خراسان من تصنيف ( أبي منصور الأزهري ) ، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها ، وأنشأ ثلاث قصائد ضمتها ألفاظاً غريبة من اللغة ، وكتب ثلاثة كتب : أحدها على طريقة ( ابن العميد ) ، والآخر على طريقة ( الصابي ) ، والآخر على طريقة ( الصاحب ) ، وأمر بتجليدها واخلاق جلدها ، ثم أو عز إلى الأمير ، فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي ، وذكر أنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد ، فيجب أن تتفقدها وتقول لنا ما فيها . فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه كثير مما فيها ، فقال له الشيخ أن ما تجهله من هذا الكتاب فهو مذكور في المواضع الفلاني من كتب اللغة ، وذكر له كثيرا من الكتب المعروفة في اللغة كان الشيخ حفظ تلك الألفاظ منها ، وكان أبو منصور مجزفا فيما يورده من اللغة غير ثقة فيها . ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ ، وأن الذي حمله عليه ما جبهه به في ذلك اليوم ، فتنصل واعتذر إليه . ثم صنف الشيخ كتاباً في اللغة سماه ( لسان العرب ) لم ينصف في اللغة مثله ولم ينقله إلى البياض حتى توفي ، فبقي على مسودته لا يهتدي أحد إلى ترتيبه .