الحاج حسين الشاكري
106
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
مع المستوى الحياتي لعصره ، يريد أن يبتعد عن فتنة الرياء ، كما صرّح به الإمام لِعبّاد ، وأشار إليه في حديثه مع سفيان ، ولكنّه في نفس الوقت لا يعطي لنفسه حقّ التمتّع بنعومة اللباس وليونته ، التي تترك في واقع النفس أثراً مادياً ، يشوّش بها الصفاء الروحي ، الذي يقترب به الإنسان من ربّه . فعن الحسين بن كثير الخزّاز ، قال : " رأيت أبا عبد اللّه ( عليه السلام ) وعليه قميص خشن تحت ثيابه ، وفوقه جبّة صوف ، وفوقها قميص غليظ ، فمسستها فقلت : جعلت فداك ، إنّ الناس يكرهون لباس الصوف . . . فقال : كلاّ . . . كان أبي محمد بن علي يلبسها ، وكان عليّ بن الحسين يلبسها ، وكانوا يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة ، ونحن نفعل ذلك . . . " . فالإمام بمظهره المتجمّل يريد أن يكون منسجماً مع مظهر أهل عصره حياتياً ، وفيما يستر وراء ذلك المظهر من اللباس الخشن ، يريد أن يكون منسجماً مع واقع نفسه البعيد عن مفاتن الحياة ومباهجها ومتعها ، التي هي الواجهة الأُخرى التي تقابل الزهد والتقشّف في الحياة . أمّا حين يقف بين يدي ربّه ليؤدّي واجب العبودية الحقّة ، فإنّه يرفض ذلك المظهر المتجمّل ، ويتجرّد بواقعية وصفاء عن كلّ ما له تعلّق بشؤون هذه الحياة الزائفة ، وهذا موقف مَن عرف اللّه حقّ معرفته ودان له بالعبودية كما هو أهله . وقد أعطى الإمام بسلوكه المنفتح . . . رؤيا واضحة عن مرونة الإسلام ، ومراعاته لمزاج التطوّر ، فيما يرجع لبناء الحياة العامّة عندما لا تصطدم مؤثّرات التطوّر بالجانب التكليفي أو الأخلاقي من التشريع ، أمّا تلك السلبيات الشكلية التي يمارسها المتصوّفة ومدّعو الزهادة ، فهي انحراف متعمّد عن المسلكية الواقعية