السيد محمد مهدي الخرسان
46
موسوعة عبد الله بن عباس
سفرَين سنّهما له ولقومِه سفر الشتاء ورحلة الأصياف » ( 1 ) قال معاوية : ان هذا قتله مشرك ، وعثمان قتله المؤمنون . قال ابن عباس : فذلك أضعف لقولك ، وأدحض لحجتك ، ليس من قتله المشركون كمن نحره المؤمنون . فقال معاوية : ترى يا بن عباس أن تصرف غَربَ لسانك وحدة نبالك ، إلى من دفعكم عن سلطان النبوة ، وألبسكم ثوب المذلة ، وإبتزكم سربال الكرامة ، وصيّركم تبعاً للأذناب بعد ما كنتم عز هاماتٍ لسادات ، وتدع أمية ، فإنّ خيرها لك حاضر ، وشرها عنك غائب . قال ابن عباس : أمّا تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبيّنا صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، عدواً علينا فظلمونا ، وشفوا صدور أعداء النبوّة منا ، وأمّا بنو أمية فإنهم شتموا أحياءنا ولعنوا موتانا ، وجاوزوا حقوقنا ، واجتمعوا على إخماد ذكرنا وإطفاء نورنا ، فيأبى الله لذكرنا إلاّ علوّا ، ولنورنا إلاّ ضياء ، والله للفريقين بالمرصاد . قال معاوية : ما نرى لكم علينا من فضل ، ألسنا فروع دوحة يجمعنا عبد مناف ؟ قال ابن عباس : هيهات يا معاوية ، حدت عن الصواب ، وتركت الجواب ، بيننا وبينكم برزخ وحجاب ، أنتم الحثالة ونحن اللباب ، ولشتان ما بين العبد والأرباب ، أتجعل أمية كهاشم ؟ إن هاشماً كان صميماً كريماً ولم يكن لئيماً ولا زنيماً ، أوّل من هشم الثريد وسنّ الرحلتين وله يقول القائل : وفي هذه المحاورة - إن صحت - قرأنا خصومة أشبه بالمناظرة والمفاخرة ، فكلٌّ من ابن عباس ومعاوية يردّ على الآخر بعنف وشدة ويذكر مفاخر قومه وآبائه ، ومن الطبيعي أن تكون الغلبة لابن عباس في ذكرها . لكن معاوية الحاقد يحاول انكار ذلك الفضل بحجة أنّ الجميع يجمعهم عبد مناف . فذكر ابن عباس له من الفروق بينهما ما أسكته ودحض حجته . ولم يكن معاوية في قرارة نفسه لا يعرف ذلك ، لكنه الحسد ودفائن الأضغان ، ولم يكن أحد يقوى على رده وهو في عنفوان سلطانه إلاّ أهل البيت ، وفي مقدمتهم الإمام الحسن والإمام الحسين ثمّ عبد الله بن عباس ، وهو أكثر بني هاشم إصابة في عدوه ، وأقوى حجة في دفع خصومه ، وسيأتي في صفحات احتجاجاته في الحلقة الثالثة ما يغني ويقني إن شاء الله تعالى . ومع هذا كلّه نجد البلاذري في أنسابه روى انّ ابن عباس قال : « لله درّ ابن هند ولَينا عشرين سنة فما آذانا على ظهر منبر ولا بساط ، صيانة منه لعرضه وأعراضنا ، ولقد كان يحسن صلتنا ويقضي حوائجنا » ( 2 ) ! . وما أدري كيف استساغ الراوي أن يذكر ذلك منسوباً إلى ابن عباس ومحاوراته مع معاوية تنبئ بخلاف ذلك . ونتحف القارئ بذكر محاورة أخرى ورد ذكرها في تاريخ اليعقوبي ( 3 ) وأخبار الدولة العباسية ( 4 ) نعرف منها مدى الحقد المتأصل في نفس معاوية على
--> ( 1 ) أخبار الدولة العباسية / 47 تح - الدكتور الدوري والمطلبي ط دار صادر بيروت سنة 1971 . ( 2 ) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 83 تح - احسان عباس . ( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 199 - 200 . ( 4 ) أخبار الدولة العباسية / 50 .