السيد محمد مهدي الخرسان
351
موسوعة عبد الله بن عباس
وإنّي أقسم بالله لئن لم تنته عمّا بلغني عنك لتجدنّ جانبي خَشِناً ، ولتجدنني إلى ما يردعك عني عجلا ، فرأيك ، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلاّ نفسك » . فهذا كتاب فيه تنديد وفيه تهديد ووعيد . فأجابه ابن عباس : « أمّا بعد فقد بلغني كتابك قلت إنّي أفتي الناس بالجهل ، وإنّما يفتي بالجهل من لم يعرف من العلم شيئاً ، وقد أتاني الله من العلم ما لم يؤتك ، وذكرت أنّ حلمك عني واستدامتك فيئي جرأني عليك ، ثمّ قلت اكفف من غربك ، وأربع على ظلعك ، وضربت لي الأمثال ، أحاديث الضبع ، متى رأيتني لعرامك هائبا ، ومن حدك ناكلاً ، وقلت : لئن لم تكفف لتجدنّ جانبي خشناً ، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا أرعى إليك إن أرعيت ، فوالله لا أنتهي عن قول الحقّ ، وصفة أهل العدل والفضل ، وذم الأخسرين أعمالاً الّذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً والسلام » ( 1 ) . وهذا جواب فيه تقريع وزراية ، وفيه إهانة واستهانة نافت على الغاية . وأيّ غايةٌ بعد قوله : « فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا أرعى إليك إن أرعيت » ؟ ولعل ابن عباس إنّما أجابه على كتابه لأنّه كان يقول : « إنّي لأرى ردّ جواب الكتاب حقاً عليَّ كردّ السلام » ( 2 ) ولئلا يظن به الجبن والانهزامية أمام تهديد ووعيد ابن الزبير ، وهو هو لا يزال في صلابة موقفه المتماسك ، وقوة شخصيته المتعالية . روى البلاذري في أنسابه خبر ذلك بسنده عن أبي مخنف قال : « لمّا نزل ابن عباس الطائف حين نافره ابن الزبير ، كان صلحاء الطائف يجتمعون إليه ،
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة 20 / 125 . ( 2 ) الطبقات الكبري لابن سعد / 166 تح - السُلمي .