السيد محمد مهدي الخرسان
308
موسوعة عبد الله بن عباس
لولا اشتعال النار فيما جاورت * ما كان يعرف طيب عرَف العود لولا التخوف للعواقب لم يزل * للحاسد النعمى على المحسود يده وأمّا هذا فيريد منعك ما في يد الله تعالى . وفي هذا النمط ورد قوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( إنّ لنعم الله أعداءً فقيل : ومن هم ؟ قال الّذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) . فإن صادف الحاسد قدرة نزع إلى الشر والوقيعة بالمحسود ، وان صادف عجزاً كان في حرب نفسية داخلية لا تهدأ ثورتها ولا تسكن حرارتها حتى يحل البوار بمحسوده ، أو يبقى هو حرضاً أو يكون من الهالكين . وإذا رجعنا نتصفح مواقف ابن الزبير العدائية السيئة مع بني هاشم عموماً وابن عباس خاصة ، نجده تقمص الدواعي الثلاث في حسده فهو يراهم تفوقواً عليه شرفاً في الجاهلية والإسلام ، ولم ينل ما ناله إلاّ بهم ، وهذا هو الداعي الأوّل من بواعث حسده ، وسيأتي في بعض محاورات ابن عباس معه ما يشير إلى هذا . ثمّ هو يرى نعم الله سبحانه تتوالى عليهم كلّ حين فلم يخل بيتهم من رجال قصر عنهم شأوه ، فلا يسعه أن يطاولهم في منكب أو موكب ، وهذا هو الداعي الثاني من بواعث حسده أيضاً . وثالثة الأثافي يراهم قد سبقوا بفضائلهم علماً وحلماً وكرماً وجوداً شأواً بعيداً يقصر عن بلوغ مداه بخله وجهله ، فهو يريد الوقيعة بهم حتى همّ بإحراقهم ، وهذا هو الثالث من أهم بواعث حسده أيضاً وأضرّها عليه . ولا بدّ لنا من ذكر بعض الشواهد على تلك الدواعي نتبيّن منها ما لحق بابن عباس من أذاه لأنّه المحسود الأوّل من بني هاشم . الشاهد الأوّل : رحم الله أبا تمام حيث يقول : قال مؤرّج السدوسي المتوفى سنة 195 في كتابه حذف - أي قطع من طرفه - من نسب قريش نشرة صلاح الدين المنجّد : « وكان منادٍ يُنادي بمكة : من يريد العلم واللحم فليأت منزل عبد الله بن عباس . . . » ( 1 ) . ولقد روى ابن عبد البر في الاستيعاب ( 2 ) ، والبُرّي التلمساني في الجوهرة ( 3 ) ، والخرائطي في مكارم الأخلاق ( 4 ) ، وابن عساكر ( 5 ) ، وأبو الفرج في الأغاني ( 6 ) وغيرهم . قالوا : « انّ عبد الله بن صفوان بن أمية - وهو من أخص أصحاب ابن الزبير - مرّ يوماً بدار عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه ، ومرّ بدار أخيه فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام ، فدخل على ابن الزبير فعيّره وقال له : أصبحت والله كما قال الشاعر : فإن تصبك من الأيام قارعة * لم نبك منك على دنيا ولا دين ( 7 ) فتميّز غيظاً وغضباً وقال : وما ذاك يا أعرج ؟
--> ( 1 ) نسب قريش / 8 نشرة صلاح الدين النجّد . ( 2 ) الاستيعاب 1 / 373 ط حيدر أباد و 2 / 347 بهامش الإصابة ط مصطفى محمّد سنة 1358 . ( 3 ) الجوهرة 2 / 19 . ( 4 ) مكارم الأخلاق / 58 السلفية بمصر سنة 1350 . ( 5 ) أنظر تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 7 / 202 . ( 6 ) الأغاني 15 / 151 - 152 ط دار الكتب المصرية . ( 7 ) البيت لذي الأصبع العدواني وقصيدته مشهورة في المفضليات .