السيد محمد مهدي الخرسان

255

موسوعة عبد الله بن عباس

طرفاً مستهدفاً لكل من الأمويين وابن الزبير ، كلٌ يبتغي جرّهم إلى صفّه ، ويصانعهم الودّ حيناً ، ويراوغهم أحياناً ، ويكاشفهم العداء بالتالي ، ولكنهم لم يستجيبوا لرغبة ولم ينساقوا لرهبة ، فقد اتخذ ابن عباس ومعه ابن الحنفية موقفاً صلباً في الحياد ، وإن بلغ تشنّج الحاكمين حدّ الوعيد ، فسكنى ابن عباس بمكة يسّرت له الإشراف على شؤون السقاية الّتي كانت تهمه كثيراً ، لما يرى من فضل زمزم حتى انّه كان إذا أراد أن يتحف رجلاً بتحفة سقاه من زمزم ( 1 ) والرفادة عن قرب ، وله في المدينة بقية أهله ، ولمّا بلغته أخبار المدينة في تحالف الأنصار وقريش في وقعة الحرة لم يكن متفائلاً بنجاح أهلها لأنّهم أمّروا عليهم أميرين : عبد الله بن مطيع العدوي على قريش وعبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة على الأنصار . ولمّا وقعت الواقعة « وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس ومن بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس ، فممّن قتل من آل أبي طالب ابنان لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ( 2 ) ولجعفر بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب ، ومن

--> ( 1 ) ذكر أخبار أصبهان 1 / 333 . ( 2 ) لم يذكر المؤرخون اسمهما إلاّ ان الفسوي في المعرفة والتاريخ ذكر بسنده خبراً عن واهب بن عبد الله المعافري قال : قدمت المدينة فأتيت منزل زينب بنت فاطمة بنت عليّ لأسلّم عليها ، فدخلت عليها الدار فإذا عندها جماعة عظيمة وإذا هي جالسة مسفرة ، وإذا امرأة ليست بالحليلة ولم تطعن بالسنّ ، فاحتملتني الحمية والعفّة لها فقلت : سبحانك الله ، قدركِ قدركِ وموضعكِ موضعكِ وأنت تجلسين للناس كما أرى مسفرة ؟ فقالت : إن لي قصة ، قال قلت وما تلك القصة ؟ فقالت : لمّا كان أيام الحرة ووفد أهل الشام المدينة وفعلوا فيها ما فعلوا ، وكان لي يومئذ أبن قد ناهز الاحتلام ، قالت : فلم أشعر به يوماً وأنا جالسة في منزلي إلاّ وهو يسعى وبسر بن أبي أرطاة خلفه حتى دخل عليّ ، فألقى نفسه عليّ وهو يبكي يكاد البكاء أن يفلق كبده ، فقال لي بسر : إدفعيه إليّ فأنا خير له قالت : فقلت له اذهب مع عمك ، قالت : فقال : لا والله لا أذهب معه يا أمّه هو والله قاتلي . قالت : فقلت أترى عمك يقتلك ؟ لا ، إذهب معه ، قالت : قال لا والله يا أمه لا أذهب معه هو والله قاتلي . قالت : وهو يبكي يكاد البكاء أن يفلق كبده قالت : فلم أزل أترفق به وأسكّنه حتى سكن . قالت : ثمّ قال لي بسر إدفعيه إلي فأنا خير له ، قالت : فقلت اذهب مع عمك ، قالت فقام فذهب معه . قالت : فلمّا خرج من باب الدار قال للغلام امشي بين يدي ، قالت فإذا بسر قد اشتمل على السيف فيما بينه وبين ثيابه ، قالت فلمّا ظهر إلى السكّة رفع بسر ثيابه عن عاتقه وشهر عليه السيف من خلفه ثمّ علاه من خلفه ، فلم يزل يضربه به حتى يرد ، قالت : فجاءتني الصيحة أدركي ابنك فقد قطّع ، قالت فقمت أتعثر في ثيابي ما معي عقلي . قالت : فإذا جماعة قد أطافوا به فإذا هو قتيل قد قُطّع . قالت : فألقيت نفسي عليه وأمرت به فحُمل . قالت : فجعلت على نفسي من يومئذ لله أن لا أستتر من أحد ، لأن بُسراً هو أوّل من هتك ستري وأخرجني للناس فالله حسيبه . أقول : والخبر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 10 / 13 - 14 .