السيد محمد مهدي الخرسان

69

موسوعة عبد الله بن عباس

وصفها عن الإمام - فإنّ جند الشيطان بها كثير ، ولا ريب أنّهم يطمعون في التسلل إلى مراكز القوة لنيل أمانيهم ، وهل مطمع فوق مركز رأس السلطة ، فمتى نفذوا إليه واستحوذوا عليه ، تمّ لهم ما أرادوا ونالوا مبتغاهم ، ولا يضيق السبيل على إبليس وجنده ، ولهم في النميمة خير وسيلة لإختداع الوالي والتقرب منه ، وتلك سيرتهم مع الولاة والحاكمين في كلّ زمان ومكان ، فإن وجدوا أذناً صاغية لقد نجحوا في مسعاهم ونالوا مبتغاهم ، وإن لم يجدوا وكان الوالي له أذن عن الفحشاء صمّاء مثل ابن عباس ، فليس أبور من سلعتهم ، إذ لا نَفَاق للنِفَاق ، وقد ابتلي ابن عباس في ولايته بنماذج من يريدون أن يأكلوا المال بالباطل ، فمنهم النمامّون ، ومنهم الشعراء الهجّاؤون الذين يثلبون أعراض الناس ، وأضراب أو لا وأولئك كثيرون . غير أنّه بما أتاه الله من قوة الشخصية مع حدّة الفهم وبُعد النظر ما ينفذ به إلى بواطن الأمور ، وكان على حدّ قول الإمام فيه ، وهو مربّيه ومولّيه : ( كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق ) ( 1 ) ، ثمّ هو على حدّ وصفه له في خطبة ولايته بالفقه والتقوى والورع ، فلمّا كان كذلك كان من الطبيعي أن لا يفسح المجال أمام الإنتهازيين ، فكان شديداً بلا عُنف ، وليّناً بلا ضعف . وإلى القارئ نموذجَين من مواقفه : أحدهما مع نمّام ، وآخر مع هجّاء . فقد روي أنّ رجلاً أتاه بنميمة ، فقال له : يا هذا إن شئت سألنا عما جئت به ، فإن كنت صادقاً مقتناك ، وإن كنت كاذباً عاقبناك ، وإن شئت أقلناك ، فاستعفى الرجل ، ومن الطبيعي أن يعرف ذلك المتزلّفون إلى الحكّام بالنميمة ، فقد

--> ( 1 ) جاء في فيض القدير للمناوي 1 / 60 قال فيه - ابن عباس - عليّ كرّم الله وجهه ( كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق ) .