السيد محمد مهدي الخرسان

303

موسوعة عبد الله بن عباس

فيفقده ، ومع ذلك ففيه تخفيف اللوعة بنزول الدمعة ، ولعل قول ذي الرمة خير معبّر في تصوير تلك الحال : خليلي عوجا من صدور الرواحل * بجهور حزوى وابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحة * من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل ولقد ذكر في كتب السيرة أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بكى عند فقده أحبته ، وآخرهم ابنه إبراهيم فقال : ( إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما لا يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ) ( 1 ) . وكلّما عظمت الرزية وجلت المصيبة عظم الحزن بها ، واشتد الوجد بصاحبها ، ومهما بلغ في إيمانه مقاماً رفيعاً لتستولي عليه أحزانه ، فيفزع إلى البكاء ليخفّف من غلواء المصاب ، فان في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته ، وفي ارساله لعبرته ما يعينه على سلوته ، وهذا ممّا لا شك فيه ، لكن ليس انسكاب الدموع يذهب ما في نفس المفجوع ، فلئن سكنت النفس آناً ما إلى رشدها ، وتأسى صاحبها بالصبر على عظيم فقدها ، إلاّ أنّ الذكرى تؤجج جذوة الحزن ، فمتى أستثيرت ثارت ، فتحول الحزن إلى بركان يثور ، وعندما يلحّ الواجد الفاقد الحزين بالبكاء وتبيضّ عيناه من الحزن فيفقد بصره ، كما مرّ في أمر يعقوب ( عليه السلام ) . وكان ابن عباس مثله في هذا الباب فيما يروي الرواة ، قال سفيان ابن عيينة : « كانوا يروون أنّ ابن عباس إنّما ذهب بصره لكثرة البكاء على عليّ ابن أبي طالب ( عليه السلام ) » ( 2 ) .

--> ( 1 ) السيرة الحلبية وسيرة زيني دحلان وغيرهما . ( 2 ) تيسير المطالب في آمالي الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني المتوفى سنة 424 ه‍ ط بيروت سنة 1395 ه - .