السيد محمد مهدي الخرسان
128
موسوعة عبد الله بن عباس
فلو قد أراد أهل الشام أن يتقوا الفتنة والحرب حقاً لرفعوا المصاحف ودعوا إلى ما فيها قبل بدء القتال ، ولكنهم لم يفعلوا ، وما أكثر ما ذكّروا بالقرآن فلم يذكروه ، وما أكثر ما ردّوا سفراء عليّ دون أن يعطوهم الرضا أو شيئاً يشبه الرضا ، فما كان رفعهم للمصاحف بعد أن اتصلت الحرب أياماً وأسابيع ، وبعد أن توادع الجيشان شهر المحرم كله ، إلاّ كيداً لا يتقون به الفتنة ، وإنّما يتقون به الهزيمة . وأكبر الظن انّ بعض الرؤساء من أصحاب عليّ لم يكونوا يُخلصون له نفوسهم ولا قلوبهم ، ولم يكونوا ينصحون له ، لأنّهم كانوا أصحاب دنيا لا أصحاب دين ، وكانوا يندمون في دخائل أنفسهم على تلك الأيام الهيّنة الليّنة الّتي قضوها أيام عثمان ينعمون بالصلات والجوائز والإقطاع . ولست أذكر من هؤلاء إلاّ الأشعث بن قيس الكندي ، ذلك الّذي أسلم أيام النبيّ ثمّ ارتدّ بعد وفاته ، وألّب قومه حتى ورطّهم الحرب ثمّ أسلمهم وأسرع إلى المدينة تائباً ، فلم يعصم دمه من أبي بكر فحسب ، ولكنه أصهر إليه وتزوّج أخته أم فروة ، ثمّ خمل في أيام عمر وظهر في أيام عثمان فتولى له بعض أعماله في فارس ، فلمّا همّ عليّ أن ينهض إلى الشام عزله عن ولايته ، ويقال انّه طالبه بشيء من مال المسلمين ، ثمّ استصحبه واستصلحه ، فلمّا رُفعت المصاحف ودُعي إلى التحكيم كان أشدّ الناس على عليّ في الدعاء إلى قبول التحكيم . ويجب أن نذكر أيضاً انّ عليّاً لم ينهض إلى الشام بأهل الكوفة وبمن تابعه من أهل الحجاز وحدهم ، وإنّما نهض كذلك بألوف من أهل البصرة كان منهم