السيد محمد مهدي الخرسان
125
موسوعة عبد الله بن عباس
ليلة الهرير : ليلة كان الموت أقرب إلى المقاتلين من حبل الوريد ، لم تغمد السيوف ولم تسكن الرجال - وكانت تلك ليلة الجمعة - اقتتل الناس فيها حتى الصباح ، فتضاربوا بالسيوف حتى أعذرت ، وتطاعنوا بالرماح حتى تقصّفت ، وتراموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ، لم يصلّوا لله إلاّ إيماء - صلاة الخوف والمطاردة - لشدّة الجلاد والمسايفة ، حتى بلغ من قتالهم أن تكادموا بالأفواه والفارس يعتنق الآخر مثله فيقعان معاً إلى الأرض عن فرسيهما . وهذا هو الموقف الّذي توعدّ به ابن عباس معاوية حين هدده فيما كتب به إليه ( وقد بقي لك منّا يوم ينسيك ما قبله ) . فقد روى السيّد ابن طاووس عن ابن عباس قال : « قلت لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليلة صفين : أما ترى الأعداء قد أحدقوا بنا ؟ فقال : وقد راعك هذا ؟ قلت : نعم . فقال : اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضام في سلطانك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضلّ في هداك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضيع في سلامتك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أُغلب والأمر إليك ( لك ) » ( 1 ) . قال أبو مخنف : « فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها حتى الصباح ، وهي ليلة الهرير ، حتى تقصّفت الرياح ونفد النبل ، وصار الناس إلى السيوف ، وأخذ عليّ يسير فيما بين الميمنة والميسرة ، ويأمر كلّ كتيبة من القرّاء أن تقدم على الّتي تليها ، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ، ويقوم بهم حتى أصبح ، والمعركة كلها خلف
--> ( 1 ) مهج الدعوات / 103 ط حجرية سنة 1323 ، والأمان من أخطار الأسفار والأزمان / 114 ط الحيدرية سنة 1370 .