السيد محمد مهدي الخرسان

114

موسوعة عبد الله بن عباس

فيها التقى وأمور ليس يجهلها إلاّ الجهول وما النوكى كأكياس ( 1 ) إنّ رأس الناس بعد عليّ هو عبد الله بن عباس ، فلو ألقيت إليه كتاباً لعلك ترققه به ، فإنّه إن قال شيئاً لم يخرج عليّ منه ، وقد أكلتنا الحرب ، ولا أرانا نصل إلى العراق إلاّ بهلاك أهل الشام . فقال له عمرو : إنّ ابن عباس ( أريب ) لا يُخدع ، ولو طمعت فيه لطمعت في عليّ . فقال معاوية : صدقت إنّه لأريب ولكن على ذلك فاكتب إليه ( رقعة لطيفة وتنظر ما عنده فتعمل على حسب ذلك ) . ( قال ) فكتب إليه عمرو : ( من عمرو بن العاص إلى عبد الله بن العباس ) : أمّا بعد ، فإن الّذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء ، وساقه سفه العافية ، وأنت رأس هذا الأمر بعد عليّ ( ابن عمك ) ، فانظر فيما بقي ودع ما مضى ، فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياةً ولا صبراً ، واعلم انّ الشام لا تملك إلاّ بهلاك العراق ، وإنّ العراق لا تملك إلاّ بهلاك الشام ، وما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم ، وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منّا ، ولسنا نقول ليت الحرب عادت ، ولكنا نقول ليتها لم تكن ، وإنّ فينا من يكره القتال ، كما أنّ فيكم من يكرهه ، وإنّما هو أمير مطاع ( أو مأمور مطيع ) ، أو مؤتمن مشاور وهو أنت ، وأمّا الأشتر الغليظ الطبع القاسي القلب فليس بأهل أن يُدعى في الشورى ، ولا في خواص أهل النجوى ( وقد طال هذا بيننا حتى لقد ظننا انّ فيه الفناء وفي ذلك أقول ) وكتب في أسفل الكتاب : قال : فلمّا فرغ من شعره عرضه على معاوية ، فقال معاوية : لا أرى كتابك على رقة شعرك . فلمّا قرأ ابن عباس الكتاب ( والشعر ) أتى به عليّاً فأقرأه شعره فضحك وقال : قاتل الله ابن العاص ( ابن النابغة ) ما أغراه بك يا بن عباس ، أجبه وليردّ عليه شعره الفضل بن العبّاس فإنّه شاعر . فكتب ابن عباس إلى عمرو : أمّا بعد فإني لا أعلم رجلاً من العرب أقلَّ حياء منك ، إنّه مال بك معاوية إلى الهوى ، وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثمّ خبطت بالناس في عشوة ( عشواء طخياء ) ( مظلمة ) طمعاً في الملك فلمّا لم تر شيئاً أعظمت الدنيا إعظام أهل الذنوب ( الدين ) وأظهرت فيها ( زهادة ) نزاهة أهل الورع ، فإن كنت ( أردت ) ( تريد أن ) ترضي الله ( عزّ وجلّ ) بذلك فدع مصر وارجع إلى بيتك ( أهل بيت نبيّك محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم » ، ( فإنّ ) هذه الحرب ليس معاوية فيها كعليّ ، ابتدأها عليّ بالحقّ وانتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالبغي وانتهى فيها إلى السَرَف ، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام ، بايع أهل العراق عليّاً وهو خير منهم ، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه ، ولست أنا وأنت فيها بسواء ، أردتُ الله وأردتَ أنت مصر وقد عرفتُ الشيء الّذي باعدك مني ، ولا أرى الشيء الّذي قرّبك من معاوية ، فإن ترد شراً لا نسبقك إليه ، وإن ترد خيراً لا تسبقنا إليه والسلام .

--> ( 1 ) النوكى : الحمقى ، والكيّس خلاف الحُمقى .