السيد محمد مهدي الخرسان
21
موسوعة عبد الله بن عباس
وقد بايع عليّ ثاني الخلفاء كما بايع أولهم كراهية الفتنة وإيثاراً للعافية ونصحاً للمسلمين . . . وإنّما صبّر نفسه على مكروهها ونصح لعمر كما نصح لأبي بكر . فلمّا طعن عمر وجعل الخلافة في هؤلاء الستة من أصحاب الشورى لم يشك عليّ في أنّ قريشاً لا ترى رأيه ، ولا تؤمن له بحقه ، ورأى . . . ألا يستكره الناس على ما لا يريدون ، ولو قد أراد أن يستكرههم لما وجد إلى ذلك سبيلاً ، فلم تكن له فئة ينصرونه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد ، وإنّما كان نفر يسير من خيار المسلمين يرون رأيه . . . ومن هؤلاء الناس عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود . وقد بايع عليّ عثمان كما بايع الشيخين وهو يرى أنه مغلوب على حقه ، ولم يقصّر في النصح للخليفة الثالث كما لم يقصّر في النصح للشيخين من قبله . . . فكان طبيعياً إذا حين قتل عثمان أن يفكّر عليّ في نفسه وفيم غُلبَ عليه من حقه . ولكن مع ذلك لم يطلب الخلافة ولم ينصب نفسه للبيعة إلاّ حين استكره على ذلك إستكراهاً ، وحين هدّده بعض الذين ثاروا بعثمان بأن يبدؤا به فيلحقوه بصاحبه المقتول . وحين فزع إليه المهاجرون والأنصار من أهل المدينة يُلحّون عليه في أن يتولّى أمور المسلمين ليخرجهم من هذه الفتنة المظلمة ، ثمّ هو حين قبل البيعة لم يُكره عليها أحداً من أصحاب النبيّ ، وإنّما قبل البيعة ممّن بايَعه وترك من لم يُرد أن يبايعه ، ترك سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة ابن زيد ، وترك جماعة من الأنصار على رأسهم محمّد بن مسلمة ، ولم يستثن إلاّ هذين الرجلين : طلحة والزبير ، خاف منهما الفتنة لموقفهما من عثمان والثائرين به ، فرضي أن يستكرههما على البيعة فيما يقول أكثر المؤرخين ، وأكاد أعتقد أنا أنّهما لم يستكرهما كما زعما وكما زعم كثير من الرواة ، وإنّما أقبلا على البيعة راضيَين ثمّ بدا لهما بعد ذلك حين رأيا من الخليفة ما لم يكونا ينتظران ، كانا