الدكتور أحمد الشلبي
65
مقارنة الأديان ، المسيحية
وفي القرن الثاني كان المسيحيون يعتبرون أنجاسا لا يسمح لهم بدخول الحمامات والمحال العامة ، وكانوا - كما حصل في عهد نيرون - يلقون للوحوش الضارية تفترسهم في مدرج عام يضم خصومهم الذين يحضرون للتلهي بمشاهدة هذه المظاهر ( 1 ) . وسجل القرن الثالث صورا أخرى من أبشع ألوان التعذيب والاضطهاد للمسيحيين ، وذلك في عهد الإمبراطور دقلديانوس ، فقد أمر بهدم كنائس المسيحية وإعدام كتبها المقدسة وآثار آبائها ، وقرر اعتبار المسيحيين مدنسين سقطت حقوقهم المدنية ، وأمر بإلقاء القبض على الكهان وسائر رجال الدين ، وتجريعهم العذاب ألوانا ، ونفذت هذه التعليمات في جميع المناطق ، فامتلأت السجون بالمسيحيين ، واستشهد الكثيرون بعد أن مزقت أجسامهم بالسياط والمخالب الحديدية ، أو أحرقت بالنار ، أو قطعت إربا ، أو طرحت للوحوش الضارية ، أو غير هذا من وجوه التعذيب ، وقد سمي عصره ( 284 - 305 م ) عصر الشهداء ( 2 ) . وفي مطلع القرن الرابع تغيرت الأحوال ، فقد أصدر الإمبراطور قسطنطين مراسيم التسامح سنة 311 و 313 ثم دخل المسيحية بعد ذلك بعشر سنوات ، وسرعان ما قويت المسيحية ورجحت كفتها وشالت كفة أعدائها ، فانقضت على أعدائها تفتك وتفني ، فتأسست الجمعيات الثورية باسم الدين ، وكان أشهرها جمعية ( الصليب المقدس ) في ( تورينو ) التي أخذت على عاتقها استئصال شأفة الملحدين من بقايا الرومان الوثنيين ، وحدث بعد ذلك ولا حرج عن الدماء التي سفكت والأرواح التي أزهقت ، وقد وصف هارتمان هذه الحركة بأنها أفظع المجازر البشرية التي سجلها التاريخ ( 3 ) .
--> ( 1 ) الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام ص 35 . ( 2 ) المرجع السابق ص 40 وتاريخ الأقباط لزكي شنودة ج 1 ص 108 - 110 . ( 3 ) طه للدور : بين الديانات والحضارات ص 34 .