الدكتور أحمد الشلبي

44

مقارنة الأديان ، اليهودية

مصر كما سنرى لسبب ظاهر هو ارتباط العبرانيين بالحكام المستعمرين في مصر ( الهكسوس ) وبالتالي نظر الشعب لهم نظرة ريبة فلم يتم اختلاط بين هؤلاء وأولئك ، ثم إن البوم كان شاسعا بين العقليتين ، فالعبرانيون كانوا قوما بدوا لا ثقافة لهم ، نزلوا بين أقوام لهم تاريخ ولهم حضارة ، فلم يكن من السهل الاندماج بين الطائفتين ( 1 ) . ثم أصبحت العزلة تقليدا يهوديا لا محيد عنه ، وترتب على هذا الانعزال مجافاتهم لمن حولهم في جميع مراحل التاريخ ، واعتبارهم من حولهم من الأمم أعداء لهم ( 2 ) ، ويصف الدكتور وايزمان أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة في اليهود بقوله : وكان اليهود في موتول ( مسقط رأسه ) بروسيا يعيشون كما يعيش اليهود في مئات المدن الصغيرة والكبيرة ، منعزلين منكمشين ، وفي عالم غير عالم الناس الذين يعيشون معهم ( 3 ) . ثم اتجه الفكر اليهودي إلى اعتبار العزلة أساس حياة اليهود ، وأدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها ، ما ذكره سلامون شختر في خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا ، حيث قال : إن معنى الاندماج في الأمم هو فقدان الذاتية ، وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب عليه من النتائج ، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات ( 4 ) . وتسبب عن هذه العزلة أحداث بالغة الخطورة ، فقد نظروا إلى سواهم نظرة عداء وحذر ، وبالتالي لم يدينوا بولاء إلى الوطن الذي يجمعهم بالآخرين ، وإنما اتجهوا بولائهم إلى جماعاتهم ، فأصبحت هذه الجماعة هي وطنهم ، وهي دينهم ، وهي موضع تقديسهم ، وليس لهم بسواها صلة أو ارتباط . وقد نتج

--> ( 1 ) دكتور فؤاد حسين : التوراة ص 11 . ( 2 ) 25 . A History of the Hebrew People p : Charles Kent . ( 3 ) مذاكرات وايزمان ص 3 . ( 4 ) عبد الرحمن سامي : الصهونية والماسونية ص 46 .