الحطاب الرعيني
71
مواهب الجليل
القول فله في اختيار المفتيين من أصحابنا من نقادهم مقنع مثل سحنون وأصبغ وعيسى بن دينار ، ومن بعدهم مثل ابن المواز وابن عبدوس وابن سحنون وابن المواز أكثرهم تكلفا للاختيارات ، وابن حبيب لا يبلغ في اختياراته وقوة رواياته مبلغ من ذكرنا . انتهى كلام ابن فرحون . ثم نقل عن القرافي في كتاب الأحكام في تمييز الفتاوى عن الاحكام ما نصه : الحاكم إن كان مجتهدا لم يجز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده ، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به ، وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه . وأما اتباع الهوى في القضاء والفتيا فحرام إجماعا . نعم اختلف العلماء إذا تعارضت الأدلة عند المجتهد وتساوت وعجز عن الترجيح ، هل يتساقطان أو يختار أحدهما يفتي به ؟ قولان للعلماء . فعلى أنه يختار للفتيا فله أن يختار أحدهما يحكم به مع أنه ليس براجح عنده ، وهذا مقتضى الفقه والقواعد . وعلى هذا التقدير فيتصور الحكم بالراجح وغير الراجح وليس اتباعا للهوى بل ذلك بعد بذل الجهد والعجز عن الترجيح وحصول التساوي ، أما الفتيا والحكم بما هو مرجوح فخلاف الاجماع . وقال أيضا في أول هذا الكتاب : إن للحاكم أن يحكم بأحد القولين المتساويين من غير ترجيح ولا معرفة بأدلة القولين إجماعا ، فتأمل هذا مع ما سبق من كلامه في قوله بعد بذل الجهد والعجز عن الترجيح . انتهى كلام ابن فرحون . فتحصل منه أنه إذا تساوى القولان من كل وجه أو عجز عن الاطلاع على أوجه الترجيح ، فله أن يحكم أو يفتي بأحد القولين . ومن ابن فرحون أيضا : واعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتي . والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقه من النظر والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الاسراع براعة والابطاء عجز ، ولان يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل . وقد يكون تساهله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحذورة أو المكروهة بالتمسك بالشبه طلبا للحرص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يروم ضرره . قال ابن الصلاح : ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه . قال : وأما إذا صح قصد المفتي واحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المفتي من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل . وقال القرافي : إذا كان في المسألة قولان ، أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل ، فلا ينبغي للمفتي أن يفتي العامة بالتشديد ، والخواص وولاة الأمور بالتخفيف ، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين ، وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق ، نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم كالمفتي في هذا انتهى . فروع : الأول : ما تقدم عن القرافي إنما هو إذا وجد في النازلة نصا ، فأما إن لم يجد فنقل في التوضيح عند قول ابن الحاجب فيلزمه المصير إلى قول مقلده عن ابن العربي