الحطاب الرعيني
37
مواهب الجليل
خليل : وما ذكره من أن المكره غير مكلف صحيح لأن أهل الأصول نصوا على أن الاكراه الملجئ يمنع التكليف ، وأما السفيه فلقائل أن يقول لا نسلم أنه غير مكلف بالبيع . فإن قيل : لو كان مكلفا به لزمه البيع ، قيل : يحتمل ولو قلنا : إنه مكلف بالبيع إذ لا نقول بإمضائه للحجر فتأمله اه . قلت : أما كون المكره على البيع غير مكلف به شرعا فصحيح لعدم وجود الرضا المشترط في البيع ، وأما ما ذكره عن الأصوليين في مسألة الاكراه الملجئ فلا دليل فيه ، لأن مسألة الأصوليين التي اختلفوا فيها هي امتناع تكليف المكره عقلا وجواز ذلك عقلا ، فذهب المعتزلة إلى امتناعه عقلا ورجحه ابن السبكي في جمع الجوامع ، وذهب الأشاعرة إلى جواز ذلك عقلا وإليه رجع ابن السبكي آخرا . وأما الشرع فأسقط التكليف بالاكراه في كثير من المسائل منها : البيع وتوابعه ولم يسقطه في بعض المسائل ، واختلف الفقهاء في إسقاطه للتكليف في بعض المسائل لمدارك مذكورة في محلها ليس هذا محل تفصيلها . وأما السفيه فالظاهر أنه غير مكلف بالبيع أيضا لأن التكليف هو الالزام ، فإذا لم يلزمه البيع فهو غير مكلف به . ويؤخذ ذلك من كلام القرافي في الفرق السادس والعشرين في الفرق بين خطاب الوضع وخطاب التكليف ، لأن خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته على ذلك الفعل وكونه من كسبه وخطاب الوضع لا يشترط فيه شئ من ذلك وأنه يستثنى من ذلك قاعدتان : إحداهما أسباب العقوبات كالقصاص في العقل ، والثانية أسباب انتقال الملك كالبيع والهبة ، فإن ذلك وإن كان من خطاب الوضع فقد اشترطوا فيه علم المكلف وقدرته على الفعل . ثم ذكر أن خطاب الوضع خطاب التكليف قد يجتمعان وقد ينفرد كل واحد منهما . وإن مما يجتمعان فيه البيع لأنه من جهة كونه يجب أو يحرم أو يندب من خطاب التكليف ، ومن جهة أنه سبب لانتقال الملك من خطاب الوضع انتهى . فإذا علم ذلك فالبيع سواء كان من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته ، والسفيه غير عالم بمصالحه ، والمكره غير قادر على أن يمتنع مما أكره عليه فقد ظهر أنهما