الحطاب الرعيني
62
مواهب الجليل
وما أعلى من حيطانها إلى حدها ، هل يلزم أن يترك من جدرانها ما يمنع دخول الدواب أم لا قطعا للذريعة ولا يترك منها إلا ما أباحه أهل العلم من الجدار اليسير لتميز به قبور الأهلين والعشائر للتدافن ؟ وكيف إن قال بعضهم لبقاء جداري منفعة لصيانة ميتي لئلا يتطرف إليه للحدث عليه ، لا سيما ما كان منها بقرب العمارة ، وليس هذا عند من يوجب أن يترك عليها من الجدرات أقل ما يمنع هذا أم لا ، لأن الضرر العام بظهور البدعة في بنائها أو تعليتها أعظم وأشد مع أنه لا يؤمن استتار أهل الشر والفساد فيها بعض الأحيان وذلك أضر بالحي والميت من الحدث عليه ، ومراعاة أشد الضررين وأحقهما مشروع بينه ، وجاوب عليه مشكورا مأجورا والسلام . فأجاب : تصفحت سؤالك الواقع فوق هذا وقفت عليه . وما يبنى من السقائف والقبب والروضات في مقابر المسلمين هدمها واجب ، ولا يجب أن يترك من حيطانها إلا قدر ما يميز به الرجل قبور قرابته وعشيرته من قبور سواهم لئلا يأتي من يريد الدفن في ذلك الموضع فينبش قبر امرأته . والحد في ذلك ما يمكن دخوله من كل ناحية ولا يفتقر إلى باب . ثم سأله القاضي عياض عن نقض هذه الأبنية ، هل هي لعامة المسلمين إذا بناها بانيها في الحبس وقد علمت ما وقع في هذا الأصل من الخلاف ، أن ترجع إلى ملك صاحبها وهو الأشبه ؟ والصحيح أنه وإن قلنا بذلك الأصل فهذا حبس غير مأذون فيه ولا مشروع بل هو محظور منهي عنه فهو رد فأردت جوابك . فأجاب : النقض لأربابه الذي بنوه لا يكون حبسا كالمقبرة التي جعل فيها ، ولا يدخل في ذلك الاختلاف في نقض ما يبنى في الحبس للمعنى الذي ذكرت من الفرق بين الوجهين . وقال في موضع آخر من أجوبته : ونقض ما يبنى في الروضات لا يلحق بالحبس للمعنى الذي ذكرت من الفرق بين الموضعين فإنه صحيح انتهى . وسئل أيضا عن قبر علا بناؤه نحو العشرة أشبار وأزيد ، هل يجب هدمه وتغير بدعته ، وكيف إن شكى بعض جيرانه أنه يستر باب فندقه عن بعض الوراد ويمنع النظر للجلاس في أسطوانته ، هل لصاحب الفندق فيه حجة إذ يقول منعتني منفعتي لغير منفعة بل لما لا يجوز ؟ وهل لأولياء القبر حجة فيجوز لهم بناؤه ، وكيف إن كان بناؤه قبل بناء الفندق ؟ فأجاب إن كان البناء على نفس القبر فلا يجوز ويهدم ، وإن لم يكن إلا حواليه كالبيت يبنى عليه فإن كان في ملك الرجل وحقه فلا يهدم عليه ، وإن كان ما ذكرت من حجة صاحب الفندق المواجه له ، وإن كان في مقابر المسلمين فقد تقدم فوق هذا أن هدمه واجب فقد صرح بأن البناء لتمييز القبور جائز في مقابر المسلمين وهو نحو ما تقدم عن الجماعة المذكورين أولا ، وظاهر كلام المصنف في التوضيح في آخر كلامه . وأما الموقوف كالقرافة بمصر فلا يجوز البناء بها مطلقا ، إنه لا يجوز البناء ولو كان يسيرا لتمييز قبور الأهل إلا أن يقال : إنما كلامه في بناء البيوت والقبب ونحو ذلك بدليل أنه قدم أولا أن البناء للتحويز جائز وقبله ولم يعترض عليه ، وكلام ابن الفاكهاني في شرح الرسالة أقوى في المنع من