الحطاب الرعيني

418

مواهب الجليل

ولا يصح أن يكون العامل فيه فرض وسنة لأنه إنما يفيدان الفرض والسنة . وقع من الشارع مرة ولا يفيد المعنى المراد لأن المفعول المطلق قيد في عامله ، ويجوز أن ينصب مرة على التمييز المحول عن النائب عن الفاعل والمعنى : فرض المرة من الحج وسنة العمرة من العمرة . ويوجد في بعض النسخ فرض الحج بفتح الفاء وسكون الراء على أنه مصدر مرفوع بالابتداء ، وبرفع سنة بالعطف عليه وبجر الحج والعمرة بالإضافة ومرة مرفوع على أنه خبر وعليها شرح البساطي . ويتعين حينئذ أن يكون المصدر بمعنى اسم المفعول أي المفروض من الحج مرة والمسنون من العمرة مرة والله أعلم . وإنما أطلت الكلام هنا لأن هذه المسائل محتاج إليها ولم ينبه الشارح عليها . ولنشرع : في الكلام على اشتقاق الحج والعمرة ومعناهما لغة وشرعا وما يتعلق بذلك فنقول : الحج في اللغة القصد . وقيل : القصد المتكرر . قال ابن عبد السلام : الحج في اللغة القصد . وقيل : بقيد التكرار انتهى . وكذا قال في التنبيهات : أصل الحج القصد وسميت هذه العبادة حجا لما كانت قصد موضع مخصوص . وقيل : الحج مأخوذ من التكرار والعود مرة بعد أخرى لتكرار الناس عليه كما قال الله تعالى * ( مثابة للناس ) * أي يرجعون إليه ويثوبون في كل عام انتهى . وعلى الثاني اقتصر صاحب المقدمات وصاحب الطراز ونقله القرافي عن الخليل وهو ظاهر الصحاح لقوله : الحج القصد ورجل محجوج أي مقصود ، وقد حج بنو فلان فلانا إذا أطالوا الاختلاف إليه انتهى . والظاهر أنه مستعمل في اللغة بالوجهين لقول صاحب القاموس : الحج القصد والكف والقدوم وكثرة الاختلاف والتردد وقصد مكة للنسك . ويشهد لذلك حديث مسلم المتقدم إن الله فرض عليكم الحج فحجوا وقول الرجل : أكل عام يا رسول الله الحديث ، لأنه يحتمل أن يكون سؤاله لهذا المعنى . ويحتمل أن يكون لمعنى آخر وهو أن العلماء اختلفوا في الامر المطلق . هل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه ؟ أو يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ؟ قال ابن القصار : وهو عند مالك مقتض للتكرار ، وخالفه بعض أصحابنا . فيحتمل أن يكون السائل يرى بعض هذه المذاهب والله أعلم . واختلف في إطلاق الحج على العبادة المشروعة فقيل : حقيقة لغوية وأن الحج مستعمل في معناه اللغوي الذي هو القصد أو القصد المتكرر غير أن الشارع اعتبر مع ذلك أمورا لا بد منها ، وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني . وقيل : إنه حقيقة شرعية نقلها الشارع من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي من غير ملاحظة للمعنى اللغوي وإن صادف أن بين المعنيين علاقة لأمر اتفاقي وهذا مذهب المعتزلة . وقال به جماعة من الفقهاء . وقيل : إنه نقل إلى المعنى الشرعي على سبيل المجاز لمناسبته للمعنى اللغوي وهذا مذهب الامام فخر الدين والمازري وجماعة من الفقهاء . قال ابن ناجي : وهو مذهب المحققين من المتأخرين . وهذه الثلاث الأقوال جارية في الحقائق الشرعية كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها ، وكلام صاحب القاموس المتقدم يشهد للأول لأنه جعل قصد مكة للنسك من جملة معاني الحج في اللغة . وعلى القول الثالث ، فوجه المناسبة بين