الحطاب الرعيني

358

مواهب الجليل

سافر دون القصر أو قدم ليلا فأصبح مفطرا ، وفي المرأة تطهر ليلا فلم تغتسل إلا بعد الفجر فتفطر قال : فكل هؤلاء أفطروا على الجهل بموجب الحكم . فيكون المراد بالجهل ما لم يتأول شيئا لا تأويلا قريبا ولا بعيدا . وقال الجزولي في الكبير واختلف في الجاهل فقال ابن القاسم : لا شئ عليه . وقال ابن حبيب : عليه الكفارة ولا يعذر بالجهل . وإنما يتصور هذا فيمن كان قريب عهد بالاسلام أسلم بدار الحرب ولم يعلم صوم رمضان هل هو فرض أم لا انتهى . وليس المراد بالجهل بوجود رمضان فإن ذلك واضح ولم أر أحدا ذكر فيه خلافا ، بل المذهب أن من أكل في يوم الشك قبل أن يثبت الهلال ثم ثبت أنه من رمضان لا كفارة عليه . وكذلك الأسير إذا لم يعلم برمضان لم يذكر أحد قولا بوجوب الكفارة عليه والله أعلم . فإن قيل : فما الفرق بين الجاهل والمتأول فإنه جاهل أيضا بالحكم ، فما الفرق بينهما ثم إنهم فرقوا في المتأول بين التأويل والقريب والبعيد ؟ فالجواب أنه لا فرق بينهما لا إذا حمل الجاهل على من كان حديث عهد بالاسلام فجهل وجوب رمضان أو بعض ما يمنعه رمضان من أحكامه المشتهرة ، والمتأول من أفطر لوجه يخفي حكمه بل قال بعض العلماء بجواز الافطار به . وحاصل كلام اللخمي أنه لا فرق بين المتأول والجاهل وأنه لا كفارة عليهما بوجه ، ولان الكفارة إنما هي على المنتهك فمن لم ينتهك وادعى وجها يعذر به وجاء مستفتيا قبل منه ، ومن ظهر عليه نظر فيما يدعيه ، فإن كان قريبا مما يرى أن مثله يجهل ذلك صدق ، وأما إن كان بعيدا لم يصدق . قال اللخمي إثر كلامه المتقدم وذكره التأويل البعيد ما نصه الشيخ أصل المذهب أن الكفارة إنما تجب على من قصد الفطر جرأة وانتهاكا وإذا كان كذلك نظر . إن من أفطر بتأويل فإن جاء مستفتيا ولم يظهر عليه صدق فيما يدعيه وأنه لم يفعل ذلك جرأة فلا كفارة عليه ، وإن ظهر عليه نظر فيما يدعيه ، فإن كان ممن يرى أن مثله يجعل ذلك صدق ، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق وألزم الكفارة . وهذه فائدة قولهم : إن هذا ينوي ولا ينوي الآخر ويجبر على الكفارة . ولو كان إخراج الكفارة إليه إذا ادعى مالا يشبه لم يكن للتفرقة وجه ، وهذا هو الأصل في الحقوق التي لله سبحانه في الأموال . فمن كان لا يؤدي زكاتها أو وجبت عليه كفارة أو عتق عن ظهار أو قتل أو هدى فامتنع من أداء ذلك أنه لا يجبر على إنفاذه . وقاله محمد بن المواز فيمن وجبت عليه كفارة مات قبل إخراج ذلك أنها تؤخذ من التركة إذا لم يفرط . فإن قيل : الكفارة مختلف فيها هل هي على الفور أو على التراخي ، فكيف يجبر على إخراجها مع القول أنها على التراخي ؟ قيل : إنما يصح أن يؤخذ بها من كان معتقدا أنه يخرجها ، وأما من علم منه جحودها وأنه يقول لا شئ عليه فلا يؤخذ بها . وهذا في الحقوق التي تجب لله تعالى ولم يوجبها على نفسه . واختلف فيما تطوع بإيجابه على نفسه فقال : مالي صدقة للمساكين في غير يمين . فقال ابن القاسم : لا يجبر على إنفاذ ذلك . وقال في كتاب الصدقات من كتاب محمد : يجبر . وبقية ما تعلق بذلك مذكور في كتاب الهبات . انتهى